فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 269

غير أن هذه المعادلة ظلّت سلاحا في يد خصوم المعتزلة يشهرونه في وجوههم، ويكفرونهم به، على أساس أن القول بحرية الارادة الانسانية يؤدي إلى أن يقع في ملك الله ما لا يريده الله. فإذا كان الله لا يريد الكفر لأنه قبيح، والكفر يقع من الانسان بارادته الحرة المختارة، فمعنى ذلك أن الكافر قد اختار الكفر خلافا لارادة الله ومشيئته. ويرى الأشاعرة أن هذا القول يؤدي إلى نسبة الضعف والغفلة إلى الله تعالى عن ذلك علوّا كبيرا «لأنه لو كان في سلطان الله تعالى ما لا يريده لوجب أحد أمرين إمّا اثبات سهو وغفلة أو اثبات ضعف وعجز ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده فلما لم يجز ذلك على الله تعالى استحال أن يكون في سلطانه ما لا يريده» . ولا يرى الأشاعرة في إرادة الله لكفر الكافر أو خلقه له فيه أي نقص أو شك في عدالته. والأساس الذي يستندون إليه أن إرادة الله يجب أن تشمل كل شيء يقع في ملكه، لأن الارادة صفة ذاتية من صفات الله تعالى «إن الارادة إذا كانت من صفات الذات وجب أن تكون عامة في كل ما يجوز أن يراد على حقيقته، كما إذا كان العلم من صفات الذات وجب عمومه بكل ما يجوز أن يعلم على حقيقته. وأيضا فقد دلّت الدلالة على أن الله خالق كل شيء حادث، ولا يجوز أن يخلق ما لا يريده» . أمّا أن إرادة الله للقبائح لا تستلزم وصفه بالقبح أو الانتقاص من عدالته، فالأساس في اثبات هذه القضية عند الأشاعرة هي التفرقة بين الله وبين الانسان، فالله هو «المالك القاهر الذي ليس

بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم وحدّ له الحدود. فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء. إذا كان الشيء إنما يقبح منا لأنّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا وأتينا ما لم نملك اتيانه. فلما لم يكن الباري مملكا ولا تحت آمر لم يقبح منه شيء».

ولا يسلّم المعتزلة للأشاعرة بهذا القول، وذلك تأسيسا على أن الفعل إنما يقبح لصفة خاصة به لا صلة لها بالفاعل. بمعنى أن الفعل لا يقبح أو يحسن بفاعله، بل يقبح أو يحسن لصفة ذاتية في الفعل نفسه. وبناء على ذلك يقع الفعل قبيحا أو حسنا من أي فاعل كان، فما يقبح من العبد يقبح من الله إن وقع بنفس الطريقة.

وما دام الله عالما، فإنه يعلم قبح القبيح، ويعلم استغناءه عن فعله، ومن ثم يخضع فعله خضوعا ذاتيا لهذا العلم، بمعنى أن علمه يمنعه من اختيار القبيح وفعله. ومن جهة أخرى فإن القبيح إنما يقع من الواحد منا لجلب نفع أو دفع ضرر، والله تعالى يجوز عليه اجتلاب المنافع أو دفع المضار، لأنه ليس جسما، ولا يجوز عليه الزيادة والنقصان. وعلى ذلك يستحيل وقوع القبيح منه.

وفي سبيل رفع التناقض بين إرادة الله وإرادة البشر، أنكر المعتزلة أن تكون الارادة الالهية صفة ذاتية قديمة كما ذهب الأشاعرة وذهبوا إلى أنها صفة من صفات الأفعال، وصفات الأفعال لا تتعلق بكل شيء، على عكس العلم الذي يتعلق بكل معلوم. بل ألزموا الأشاعرة على قولهم بالارادة القديمة القول بقدم العالم «لاعتقادكم أنه تعالى مريد لذاته أو بارادة قديمة» . ومن جهة أخرى ذهبوا إلى أن إرادة الله تنقسم إلى ضربين «أحدهما من مقدوره، والآخر من مقدور عباده. فما يريده من مقدوره فلا بدّ من وقوعه، وانتفاؤه يقتضي فيه ما لا يجوز عليه. وما يريده من مقدور غيره على ضربين: أحدهما يريده على جهة الالجاء والاكراه فيجب وقوعه عند ما يفعله من الالجاء، ولو لم يقع لاقتضى منه ما لا يجوز عليه. والثاني ما يريده من غيره على جهة الاختيار والطوع، نحو ما اراده من المكلفين، وذلك لا يوجب فيه الضعف ولا النقص إذا لم يقع. وكذلك وقوع ما كرهه منهم على هذا الوجه، لا يوجب فيه الضعف، وإن كان وقوع ما كرهه في الوجهين الأولين يوجب مثل ما يوجبه انتفاء ما أراد» . وهكذا ينتهي المعتزلة إلى أن إرادة الله لأفعال عبادة إنما هي إرادة لها على سبيل الاختيار لا الالجاء، ومن ثم لا يعدّ وقوع القبيح منهم على غير ارادته نقصا فيه أو غفلة منه أو سهوا. ولا يجب أن ننسى أن قدرة الانسان على الاختيار هي نفسها قدرة من خلق الله، بمعنى أن الله خلق الانسان مختارا، لا يقع الفعل منه إلّا على هذه الصفة «وذلك لأن العبد وإن أحدث الفعل وأوجده، فإنما

صحّ منه ذلك من حيث جعله تعالى على الصفات التي لولا كونه عليها لما صح منه أن يحدث ويفعل».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت