وفي سبيل رفع التناقض بين إرادة الله وإرادة البشر، أنكر المعتزلة أن تكون الارادة الالهية صفة ذاتية قديمة كما ذهب الأشاعرة وذهبوا إلى أنها صفة من صفات الأفعال، وصفات الأفعال لا تتعلق بكل شيء، على عكس العلم الذي يتعلق بكل معلوم. بل ألزموا الأشاعرة على قولهم بالارادة القديمة القول بقدم العالم «لاعتقادكم أنه تعالى مريد لذاته أو بارادة قديمة» . ومن جهة أخرى ذهبوا إلى أن إرادة الله تنقسم إلى ضربين «أحدهما من مقدوره، والآخر من مقدور عباده. فما يريده من مقدوره فلا بدّ من وقوعه، وانتفاؤه يقتضي فيه ما لا يجوز عليه. وما يريده من مقدور غيره على ضربين: أحدهما يريده على جهة الالجاء والاكراه فيجب وقوعه عند ما يفعله من الالجاء، ولو لم يقع لاقتضى منه ما لا يجوز عليه. والثاني ما يريده من غيره على جهة الاختيار والطوع، نحو ما اراده من المكلفين، وذلك لا يوجب فيه الضعف ولا النقص إذا لم يقع. وكذلك وقوع ما كرهه منهم على هذا الوجه، لا يوجب فيه الضعف، وإن كان وقوع ما كرهه في الوجهين الأولين يوجب مثل ما يوجبه انتفاء ما أراد» . وهكذا ينتهي المعتزلة إلى أن إرادة الله لأفعال عبادة إنما هي إرادة لها على سبيل الاختيار لا الالجاء، ومن ثم لا يعدّ وقوع القبيح منهم على غير ارادته نقصا فيه أو غفلة منه أو سهوا. ولا يجب أن ننسى أن قدرة الانسان على الاختيار هي نفسها قدرة من خلق الله، بمعنى أن الله خلق الانسان مختارا، لا يقع الفعل منه إلّا على هذه الصفة «وذلك لأن العبد وإن أحدث الفعل وأوجده، فإنما
صحّ منه ذلك من حيث جعله تعالى على الصفات التي لولا كونه عليها لما صح منه أن يحدث ويفعل».
ولكن الخلاف حول هذه القضايا بين المعتزلة وخصومهم خصوصا الأشاعرة لم يكن خلافا فكريا معزولا عن محاولة الاستدلال بالنص القرآني لتأكيد وجهة نظر كل فريق. ومن الطبيعي أن يجد كل فريق في القرآن ما يؤيد وجهة نظره، وأن يحاول من ثمّ أن يتأوّل الآيات التي يستشهد بها خصمه على صحة ما يذهب إليه.
وفي هذه القضية، كما في غيرها من القضايا، سارع المعتزلة إلى اعتبار ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره وما يدعم وجهة نظر الخصوم متشابها لا يدل بظاهره، بل هو في حاجة للتأويل الذي يرده إلى المحكم. وتتساوى القرائن التي يقوم على أساسها التأويل، لفظية كانت أم عقلية ما دامت تنتهي إلى رفع التناقض الظاهري بين آيات القرآن أولا، وإلى تأكيد قضية العدل الالهي ومسئولية الانسان ثانيا.
(2) يستدل المعتزلة بمجموعة من الآيات على نفي إرادة الله للقبيح والكفر، وذلك سعيا لتأكيد خيريته أولا، وإلى تحميل الانسان مسئولية فعله ثانيا. وما دام هدفنا هو الكشف عن العلاقة بين الوظيفة التأويلية للمجاز وبين الفكر الاعتزالي، فسنكتفي بالأمثلة الخلافية الحادة دون الاستقصاء الدقيق لكل الآيات التي ترتبط بهذه القضية.
والدليل الأول الذي يستدل به المعتزلة في هذا الصدد قوله تعالى {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات / 56) «وهذا يدل على أن الله تعالى لا يريد من العباد إلّا العبادة والطاعة، لأن هذه اللام لام الغرض، الذي يسميه أهل اللغة: لام كي، بدليل أنهم لا يفصلون بين قول القائل: دخلت بغداد لطلب العلم، وبين قوله دخلت وغرضي طلب العلم. ويدلّ أيضا على أن هذه الأفعال محدثة من جهتنا ومتعلقة بنا، وإلّا كان لا معنى لهذا الكلام» أي أن الله خلق العباد لكي يعبدوه، وأراد منهم ذلك فقط دون الكفر به، أو بعبارة الزمخشري «إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها لأنه خلقهم ممكنين فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها ولو أرادها على القسر والالجاء لوجدت من جميعهم» .
ومن الطبيعي أن يحتاج هذا الدليل لتأويل الأشاعرة حتى يتسق مع أصولهم.
ويطرح الباقلاني ثلاثة تأويلات لهذه الآية «أحدها: أنه أراد بعض الجن والانس.
والذي يدلّ على صحة ذلك أن كثيرا من الجن والانس يموت قبل أن يبلغ حدّ التكليف والعبادة وصار هذا كقوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اللََّهُ} وأراد البعض لا الكل لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل الدخول» بمعنى أن الآية لا تعمّ بمنطوقها جميع المكلفين، بل بعضهم فحسب. وبعبارة أخرى لا تدل الآية عند الباقلاني على أن الله قد أراد العبادة من جميع الخلق، بل أرادها من بعضهم فقط «ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} وهم الذين لم يرد أن يطيعوه فاعلم ذلك» والباقلاني إلى جانب تأويله السابق لدليل المعتزلة يطرح دليلا للأشاعرة من القرآن يدل بظاهره على ما يذهبون إليه من جانب ويخصص عموم الآية التي يستدل بها المعتزلة من جانب آخر.