ويطرح الباقلاني ثلاثة تأويلات لهذه الآية «أحدها: أنه أراد بعض الجن والانس.
والذي يدلّ على صحة ذلك أن كثيرا من الجن والانس يموت قبل أن يبلغ حدّ التكليف والعبادة وصار هذا كقوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اللََّهُ} وأراد البعض لا الكل لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل الدخول» بمعنى أن الآية لا تعمّ بمنطوقها جميع المكلفين، بل بعضهم فحسب. وبعبارة أخرى لا تدل الآية عند الباقلاني على أن الله قد أراد العبادة من جميع الخلق، بل أرادها من بعضهم فقط «ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} وهم الذين لم يرد أن يطيعوه فاعلم ذلك» والباقلاني إلى جانب تأويله السابق لدليل المعتزلة يطرح دليلا للأشاعرة من القرآن يدل بظاهره على ما يذهبون إليه من جانب ويخصص عموم الآية التي يستدل بها المعتزلة من جانب آخر.
وفي الرد على تأويل الأشاعرة، يسلّم القاضي عبد الجبار بأن الآية لا تعمّ جميع الخلق لأن «المجنون ومن لم يبلغ هذا الحد، فلا يجوز دخوله في الكلام، لأنه يتضمن أنه أراد العبادة ممن تصح منه» ، ولكنه من جهة أخرى لا يسلّم بأن الله يريد معصية من عصى. ومن ثم يتصدّى لتأويل الآية التي استشهد بها الباقلاني وكذلك غيرها من الآيات التي تسند إلى الله الإضلال أو إرادة الكفر «وذلك لأن الآية التي اعتمدنا عليها، المراد بها حقيقتها، وسائر ما أوردته مجاز، لأن قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ} دخلت اللام على ما لا يصح أن يكون مرادا منه، لانه إنما يراد منه الكفر أو الايمان، دون نفس جهنم. فعلم بذلك أن المراد بهذه اللام العاقبة، وأنه أراد بذلك: أنّى قد ذرأتهم، وعلمت أن مصيرهم جهنم، كقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} ومعلوم من حالهم أنهم التقطوه لتقرّ أعينهم به، لكن مصيره لمّا كان إلى معاداتهم جاز أن يقال ذلك» . ويعتمد هذا التأويل على التفرقة بين معنى اللامين في الآيتين، فاللام في الآية التي يستدل بها المعتزلة هي لام الغرض التي هي بمعنى لكي، أمّا اللام في دليل الأشاعرة فهي لام العاقبة. ومعنى ذلك أن الله لم يشأ دخولهم جهنم، وإنما هم دخلوها بعملهم. واستشهاد القاضي بمثال من القرآن على لام العاقبة يعدّ دليلا آخر يقوي تأويله للآية التي يستشهد بها الخصوم. واعتبار القاضي أن الآيات التي يستشهد بها الخصوم مجاز يؤكّد ما ذهبنا إليه من أن المجاز تحوّل إلى وسيلة تأويلية لرفع التناقض الظاهري بين آيات القرآن الكريم.
وبنفس الطريقة يتأوّل القاضي كل الآيات التي يستدل بها الأشاعرة «وقوله تعالى: {إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْمًا} و {يُبَيِّنُ اللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} يقارب تأويله ما
قدمناه وإنما أراد أنه سيزدادون عند الاملاء، ويضلون عمّا بيّن لهم عند اتيان الذي فعله لكي لا يضلوا. وكذلك قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} أراد أنه يفعل ما يقع الضلال منهم عنده، فأضاف ضلالتهم إليه توسعا لمّا ضلوا عند فعله، كقوله: