وبنفس الطريقة يتأوّل القاضي كل الآيات التي يستدل بها الأشاعرة «وقوله تعالى: {إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْمًا} و {يُبَيِّنُ اللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} يقارب تأويله ما
قدمناه وإنما أراد أنه سيزدادون عند الاملاء، ويضلون عمّا بيّن لهم عند اتيان الذي فعله لكي لا يضلوا. وكذلك قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} أراد أنه يفعل ما يقع الضلال منهم عنده، فأضاف ضلالتهم إليه توسعا لمّا ضلوا عند فعله، كقوله:
{وَأَضَلَّهُمُ السََّامِرِيُّ} من حيث دعاهم إلى الضلال، أو أراد بذلك أنه تعالى يضلّهم عن الثواب في الآخرة بالكفر به كثيرا، ويهديهم إلى الثواب في الآخرة بالايمان به كثيرا. وإنما حملنا هذه الآية على هذا الوجه ليكون موافقا للحكم الذي قدمنا الكلام فيه، لأن تلك الآية لا احتمال فيها، ويقوي ما قدمناه قوله سبحانه:
{وَلََا يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلََّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذََلِكَ خَلَقَهُمْ} فبين تعالى أنه للرحمة خلقهم».
* * * ومن أدلّة المعتزلة على عدم إرادة الله للقبيح قوله تعالى {وَاللََّهُ لََا يُحِبُّ الْفَسََادَ} (البقرة / 205) . وحتى تدل الآية على مراد المعتزلة، كان عليهم أن يوحّدوا بين الحب والارادة، وبين البغض والكراهة «وأنه تعالى إذا صح كونه مريدا، فيجب كونه محبا، وكل ما صحّ أن يريده صحّ أن يحبه، وكل ما أوجب قبح محبته، أوجب قبح ارادته» . ومن الطبيعي أن يفرق الاشاعرة بين الحب والارادة، حتى يتسنى لهم تأويل الآية تأويلا يتفق مع أفكارهم. فالمراد بالآية عند الباقلاني «أنه لا يثيب على الفساد ولا يمدحه ولا يأمر به فإن اسم المحبة إنما يقع على ما يثاب عليه ويمدح فاعله عليه وليس كل ما يريده المريد يقال فيه إنه أحبه ألا ترى أن المريد يريد بذل ما له للسلطان الجائر من هدية ورشوة ليتقي بذلك شره ثم لا يقال إنه أحب ذلك، وكذلك الرجل اللبيب يريد ضرب ولده وقرة عينه ليؤدبه ثم لا يقال إنه أحب ذلك، وكذلك يريد ربط جروحه وشرب المر من الدواء ولا يقال إنه أحب ذلك. وكذلك الحميم يريد ويبادر في الحفر لميته وتجهيزه وتغييبه تحت التراب ولا يقال إنه محب لذلك ولا يؤثره. فعلم أنه ليس كل ما أراده المريد أحبه وإنما يقال أحب الشيء إذا مدحه وأثنى عليه وأثاب عليه والله تعالى لم يمدح الفساد ولم يثن على المفسد ولم يثبه» وهذه التفرقة بين الحب والارادة إن صدقت في مجال العواطف البشرية وأمثلة الباقلاني تشهد على ذلك من الصعب أن تصدق في مجال الارادة الالهية النافذة. وقد كانت فكرة الثواب دلالة على الحب والعقاب دلالة على البغض تكفي الباقلاني لتأويل الآية، غير أنه كان يناقش أساس التأويل الاعتزالي. وهو أساس وقع بدوره في التسوية بين المجالين.
ذلك أن المعتزلة اعتبروا أن إرادة الله لأفعال عباده هي الأمر بها، وبغضه لها هو
النهي عنها، وبالتالي حاولوا تأويل كل الآيات التي تسند لله الحب على أن الحب هو الارادة. ولم يكتف المعتزلة بذلك في مجال تأويل آيات القرآن، بل نقلوا هذه التسوية بين الحب والارادة إلى مجال التعبير البشري، واعتبروا أن العبارة «أحب زيدا» عبارة مجازية معناها «أريد منافع زيد» «لكنهم استجازوا حذف ذكر المحبوب من الكلام بالتعارف، ولم يستجيزوا مثله في الارادة، وإلّا فالمحبة إنما تعلّقت بمنافعه دونه كالارادة. ولذلك يستحيل كونه محبا له من غير أن يريد منافعه» ومعنى ذلك أن التعبير عن الارادة بالحب تعبير مجازي حذف منه ذكر المحبوب.