ذلك أن المعتزلة اعتبروا أن إرادة الله لأفعال عباده هي الأمر بها، وبغضه لها هو
النهي عنها، وبالتالي حاولوا تأويل كل الآيات التي تسند لله الحب على أن الحب هو الارادة. ولم يكتف المعتزلة بذلك في مجال تأويل آيات القرآن، بل نقلوا هذه التسوية بين الحب والارادة إلى مجال التعبير البشري، واعتبروا أن العبارة «أحب زيدا» عبارة مجازية معناها «أريد منافع زيد» «لكنهم استجازوا حذف ذكر المحبوب من الكلام بالتعارف، ولم يستجيزوا مثله في الارادة، وإلّا فالمحبة إنما تعلّقت بمنافعه دونه كالارادة. ولذلك يستحيل كونه محبا له من غير أن يريد منافعه» ومعنى ذلك أن التعبير عن الارادة بالحب تعبير مجازي حذف منه ذكر المحبوب.
ويختلف أبو هاشم الجبائي مع والده أبي علي في عبارات مثل «أحب اللحم» و «أحب جاريتي» فيذهب أبو هاشم إلى أنه «قد يقال ذلك بمعنى الشهوة مجازا» ويقول أبو علي «أنه حقيقة والمراد به أنه يريد أكل اللحم، والاستمتاع بالجارية» وكلا القولين ينتهي إلى نفس النتيجة بصرف النظر عن الخلاف حول مجازية العبارات أو حقيقتها، ولذلك ينتهي القاضي من استعراض هذين القولين إلى تأكيد ما ذهب إليه من التسوية بين الارادة والمحبة على المستوى الالهي والبشري معا. كانت هذه التسوية عند المعتزلة إذن هي التي دفعت الباقلاني لتلك الأمثلة البشرية التي يفرّق فيها بين المحبة والارادة، رغبة منه في هدم الأساس الذي يتكئ عليه المعتزلة في الاستشهاد بالآية.
* * * وإذا كانت الآية السابقة قد احتاجت لهذا الجهد اللغوي حتى تستقيم دليلا للمعتزلة فثمّ آية أخرى واضحة الدلالة لورود لفظ الارادة فيها بدلا من لفظ الحب، تلك هي قوله تعالى {وَمَا اللََّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبََادِ} (غافر / 21) ومن السهل على الأشاعرة رد هذا الدليل على أساس أن الظلم إنما يقع منا لأننا نتصرف فيما لا نملك، أمّا الله المالك القاهر الذي ليس فوقه آمر أو ناه فله مطلق الحرية في أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد. ومن جهة أخرى ففكرة الكسب الأشعرية تنفي أن يكون الله ظالما بظلم الظالم وإن كان هو الذي خلقه، كما أنه لا يمكن أن يكون متحركا بحركة المتحرك وإن كان هو الذي خلقها فيه. ويذهب الباقلاني إلى «أن الله تعالى خلق الظلم ظلما للظالم به، وخلق الجور جورا للجائر به، وخلق الكذب كذبا للكاذب به كما أنه خلق الظلمة ظلمة للمظلم بها، وخلق الضوء ضوءا للمستضيء به، وخلق الحمرة حمرة للأحمر بها، وخلق السواد سوادا للأسود به، وخلق السم سمّا للمسموم به: فكما أن الله تعالى خلق الظلمة لليل، والضياء للنهار، والحمرة للأحمر، والسواد للأسود والسم للحية ولا يوجب ذلك كونه ظلمة
ولا ضياء ولا سوادا ولا حمرة ولا سما، فكذلك خلق الطاعة طاعة للطائع بها، والكذب كذبا للكاذب به، والجور جورا للجائر به ولا يوجب ذلك كونه جائرا ولا ظالما ولا كاذبا» ولقد سبقت الاشارة إلى رفض المعتزلة لهذه الفكرة بناء على ما ذهبوا إليه من أن القبيح والحسن صفتان ذاتيتان للفعل.