غير أن الزمخشري يرى أن في الآية تمثيلا «للاستخفاف بهم واهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلّا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلّا الأدنياء المهانون عندهم» . وفكرة التمثيل فكرة بلاغية أرحب من فكرة الحذف النحوية، إلى جانب أنها تخفف من جفاف التأويل العقلي وتعود بالآية إلى رحابة التصوير الفني الذي يثير مشاعر المؤمن ويغذي وجدانه.
ويستخدم القاضي عبد الجبار نفس السلاح النحوي، أعني سلاح الحذف، حين يتعرض للرد على الخصوم في تمسكهم بقوله تعالى {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلََامٌ}
(الأحزاب / 44) وكذلك قوله: {فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صََالِحًا}
(الكهف / 110) إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر فيها اللقاء مضافا إلى الله عز وجل. وإلى جانب استخدامه سلاح الحذف، يلزم الخصوم على قولهم بأن لقاء الله هو رؤيته، يلزمهم على هذا القول أن المنافقين أيضا سيرونه لأنه تعالى قال:
{فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} (التوبة / 77) على أساس أن هذه الآيات لو كانت «دالّة على أن المؤمنين يرون الله تعالى» لوجب في قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} أن يدل على أن المنافقين أيضا يرونه، وهم لا يقولون بذلك، فليس إلّا أن الرؤية مستحيلة على الله تعالى في كل حال، وأن لقاءه في هذه الآية محمول على عقابه، كما في تلك الآية محمول على ثواب الله أو لقاء ملائكته». وتحديد المحذوف في الآية لا يتم عشوائيا وإنما يستند المعتزلة على القرآن نفسه في تحديد هذا المحذوف فيكون «المراد بقوله تعالى {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلََامٌ} أي يوم يلقون ملائكته، كما قال في موضع آخر: {وَالْمَلََائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ سَلََامٌ عَلَيْكُمْ} (الرعد / 23) . وأمّا قوله عز وجل:
{فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صََالِحًا} أي ثواب ربه، ذكر نفسه وأراد غيره. كما قال في موضع آخر: {وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفََّارِ} أي إلى طاعة العزيز الغفار، وقال: {إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى ََ رَبِّي} أي إلى حيث أمرني ربي، وكقوله:
{وَجََاءَ رَبُّكَ} أي وجاء أمر ربك، وقوله: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} يعني أهل القرية، ونظائر هذا أكثر من أن تحصى».
والأساس الذي يقيم المعتزلة عليه تأويلهم للقاء وأنه غير الرؤية أساس لغوي يستند إلى «أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية، ولهذا استعمل أحدهما حيث لا يستعمل الآخر، ولهذا فإن الأعمى يقول: لقيت فلانا وجلست بين يديه وقرأت عليه، ولا يقول رأيته. وكذلك فقد يسأل أحدهم غيره هل لقيت الملك؟ فيقول:
لا، ولكن رأيته على القصر. فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لم يجز ذلك، فثبت أن
اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازا، وإذا ثبت ذلك، فيجب أن نحمل هذه الآية على وجه يوافق دلالة العقل». وإذن فإن المعتزلة يفرقون بين «اللقاء» و «الرؤية» أولا، وهي تفرقة دلالية دقيقة، ثم يلجئون بعد ذلك إلى تأويل اللقاء بأنه لقاء الله أو الملائكة على أساس أن الله ذكر نفسه وأراد غيره، على طريقة حذف المضاف واقامة المضاف اليه مكانه وهي طريقة تعبيرية مشروعة لها سند من القرآن وكلام العرب. وفي مقابلة هذا المسلك اللغوي والنحوي من جانب القاضي عبد الجبار في تأويله الآية، يقابلنا المسلك البلاغي عند الزمخشري الذي يرى أن في الآيات تمثيلا. يرى أن التحية في قوله {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلََامٌ} مثل وكذلك اللقاء.