فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 269

يستدل خصوم المعتزلة على جواز رؤية الله عز وجل بآية أخرى لا يجد المعتزلة كبير عناء في ردها وتأويلها. هذه الآية هي قوله تعالى {كَلََّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.} والخلاف بين المعتزلة وخصومهم حول معنى الحجاب أولا، ثم حول معنى مدلول الآية ومنطوقها ثانيا. فخصوم المعتزلة يرون أنه «لا معنى لرفع الحجاب إلّا الادراك بالعين وإلّا فالحجاب على الله تعالى بغير هذا التفسير محال» أي أن الحجاب في رأيهم هو الحجب عن الرؤية، ولا ينبغي أن يكون حجابا ماديا لأن ذلك محال في حق الله. ويستنتج خصوم المعتزلة من هذا المنطوق المباشر للآية مدلولا غير مباشر يوردونه على النحو التالي: «إن الله تعالى لما خصّ الفجار بالحجاب دل على أن المؤمنين الأبرار مرفوع عنهم الحجاب» . أي أن الآية، وإن كانت قد وردت في شأن الكفار فإنها تدل على أن حال الأبرار عكس ذلك.

فإذا كان الكفار سيحجبون عن رؤية الله، فإن الأبرار سيرونه. غير أن المعتزلة يرون أن هذه الآية تختص بوصف أهل النار «وليس فيه دليل على أن غيرهم بخلافهم، فمن أين أن أولياء الله يجب أن يروا الله؟ على أنّا قد بيّنا من قبل أن قوله (لمحجوبون) معناه ممنوعون من رحمة الله وثوابه، وبينا أن الحجاب قد يكون بمعنى المنع على ما يقال ان الأخوة يحجبون الأم عن السدس، فإذا صحّ ذلك، وكان المراد به لممنوعون من رحمة الله فيجب أن يكون من خالفهم من أولياء الله غير ممنوعين من رحمة الله وثوابه، وكذلك نقول. على أن ظاهر هذا القول يوجب أنه تعالى ممن يصح أن يحتجب ويحجب، فيراه واحد دون آخر، وهذا يوجب كونه جسما في مكان مخصوص، وقد بيّنا فساد ذلك» .

ومعنى ذلك أن المعتزلة يقيمون تأويلهم للآية على أساسين: الأساس الأول أن الحجب بمعنى المنع لا الحجاب المادي الذي لا يجوز إلّا على الأجسام. والأساس الثاني أنهم ممنوعون عن ثواب الله، فيكون قوله تعالى {عَنْ رَبِّهِمْ} المقصود به «عن ثواب ربهم» على أساس أن في الآية محذوفا على ما يقتضيه الدليل العقلي.

وجدير بالملاحظة أن المعتزلة، وإن كانوا منعوا خصومهم من الانتقال من منطوق الآية إلى مدلولها، وأخذوا عليهم ذلك، قد سمحوا لأنفسهم بهذا الانتقال، ومن ثم استنتجوا من الآية أن «أولياء الله غير ممنوعين من رحمة الله وثوابه» . ولكن انتقال المعتزلة يظل مشروعا ومستندا لأدلة عقلية وسمعية كثيرة يوردونها في مواطن أخرى. أمّا انتقال الخصوم فيظل على الأقل من وجهة نظر المعتزلة انتقالا غير مشروع، وليس مستندا إلى أدلّة العقل أو السمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت