سل الربع أنى يممت أم مالك ... وهل عادة للربع أن يتكلما
بعد أن يؤكّد القاضي شرعية الحذف كطريقة في التعبير، يحاول التوفيق بين التأويلين الذين قبلهما عن المفسرين قبله، وذلك لأن أحدهما يعضد تأويله المعقد «للنظر» بأنه الانتظار، والآخر لا يتناقض مع تأويله هذا. وليست محاولة عبد الجبار التوفيق فحسب، بل هي التأليف والمزج، فليس لديه مانع «أن يراد المعنيان المختلفان بالعبارة الواحدة، فلا مانع يمنع من ذلك، وما قدمنا ذكره من أن معنى الانتظار ومعنى النظر بالعين معنى واحد، ويرجعان في الموضوع إلى أصل واحد، يقتضي صحة إرادة الله تعالى لهم جميعا بعبارة واحدة على مذهب من يقول إن العبارة الواحدة لا يجوز أن يراد بها المعنيان المختلفان، لأنه قد بان بذلك أن معناهما غير مختلف، ولو ثبت أنه لا يصح بعبارة واحدة، لكان ما قدمناه على أنهما قد أريدا، ولوجب أن نحكم أن الله تعالى قد تكلم بالآية مرتين وأراد كلا المعنيين، فالطعن بما قلنا بهذا الوجه لا يصح، ولا يمتنع عندنا، فيما ليس طريقة الاجتهاد من الآي، أن يراد به أمران مختلفان، وعلى هذه الطريقة قال شيخنا أبو علي رحمه الله في قوله: {وَمََا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ،} وبضنين، أنه قد أريد كلا الأمرين به، وإن كان طريق ذلك الخبر دون الاجتهاد. ومتى صح ذلك في القراءتين لم يمتنع مثله في العبارة الواحدة إذا احتمل الأمرين» . وإذن فإن عبد الجبار في محاولته جمع التأويلين في اهاب واحد لا يجد ما يمنع أن تعبر عبارة واحدة عن معنيين. وهو في هذا المبدأ ينسى فكرة السياق ودلالة التركيب وتأثير ذلك في المعنى الكلي
للعبارة. غير أنه إن عورض بمثل هذا الاعتراض وجد في محاولته لرد الانتظار والنظر والفكر إلى معنى واحد هو الطلب تبريرا لهذا الادعاء، على أساس أنها ليست معاني مختلفة، وبالتالي فالعبارة لم تعبر عن معان مختلفة. ومن الواضح في هذه الآية أن القاضي عبد الجبار وقع في اضطرابات كثيرة، وتناقض مع نفسه أكثر من مرة وهو بصدد تأويل هذه الآية، لكن عذر عبد الجبار في هذه التأويلات أن الآية ترتبط بقضية التوحيد، وأن القرينة العقلية أو الدليل العقلي الذي يرى أن الله لا يرى لصفة تتعلق بذاته، أقوى عند المعتزلة من القرينة اللفظية.
ويتبقى أمام القاضي عبد الجبار الأساس الأخير الذي يرتكز عليه خصوم المعتزلة، وهو أن حمل الآية على الانتظار لا النظر لا يجوز، لأن الانتظار يورث الغم والحسرة، وهذا لا يليق بوصف أهل الجنة الذين وردت فيهم الآية. ويرد القاضي هذا الاعتراض بقوله: «إن الانتظار هو توقع الشيء الذي يعلم حصوله في المستقبل أو يظنه، وقد ينقسم: فإن كان ما ينتظره يحتاج إليه في الحال، ويلحقه بفقده مضرة، كانتظار الجائع المأكول، والمحبوس الخلاص، فذلك يوجب الحسرة.
وكذلك فلو انتظر ما لا يحتاج إليه في الحال، لكنه يخشى فوته، ولا يثق بحصوله، فإنه قد تلحقه الحسرة. فأمّا القسم الثاني، وهو أن يكون ما ينتظره غير محتاج إليه في الحال، ويثق بحصوله في الوقت الذي ينتظره، وجميع ما يشتهيه في الحال حاصل، فإن ذلك لا يوجب الحسرة. ولذلك يختلف حال المنتظر بحسب ثقته بمن ينتظر الشيء من جهته، فكل من كانت نفسه إليه أسكن كانت حسرته في الانتظار أقل وإنما يقال إن الانتظار يورث الحسرة ويراد به الوجه الأول، وكل من ذكره في مثل أو شعر فمراده الأول لأنه المألوف في الشاهد، وإلّا فما ذكرناه من القسم الثاني في الانتظار لا يحيل حصوله على عاقل أنه لا يورث حسرة ولا غما» وعلى هذا فإن المنتظر لثواب الله لا يلحقه غم ولا حسرة، بل هو إلى السرور أقرب لسكونه إلى ربه وثقته بما وعده من النعيم.
وحين يردّ القاضي عبد الجبار على هذا الاعتراض الأخير، فإنه ربما دون أن يحس يكون قد حلّ التعارض بين التأويلين اللذين نقلهما عن المفسرين قبله، إذ يتناغم تأويله للنظر بأنه الانتظار مع تأويل الحذف إذ أن المنتظر لا بدّ أن يكون في انتظار شيء ما من جهة الله، وهذا الشيء قد يكون الثواب، وقد يكون الأمر، وقد يكون ما يأتي من عند الله وبذلك لا يكون القاضي في حاجة إلى الزعم بأن العبارة الواحدة يراد بها معنيان. وفي نفس الوقت لا يكون في حاجة لمحاولته التوفيقية بين التأويلين، لأنهما في الواقع ليسا متناقضين.