وحمل النظر في الآية على الانتظار بهذه التأويلات المتعددة لا يريح القاضي فيما يبدو، ويدفعه على غير عادته إلى أن يستشهد بآراء المفسّرين السابقين عليه أمثال مجاهد والحسن البصري فيما ذهبا إليه من أن معنى «النظر» في الآية هو «الانتظار» غير أنه من جانب آخر وما دام قد قبل من تفسيراتهم ما يؤكّد وجهة نظره لا يستطيع أن يرفض التفسيرات التي وردت عنهم من طرق أخرى، والتي قد لا تلتقي تماما مع وجهة نظره. فقد ورد عن مجاهد والحسن البصري وعن غيرهما أمثال ابن عباس وعكرمة والسدى أن النظر في الآية بمعنى النظر الحسي لا الانتظار ولكن الآية في تفسير هؤلاء جميعا تعني أن الوجوه ناظرة إلى ثواب الله لا إلى الله نفسه وهو تأويل ابن عباس ومجاهد. أمّا عكرمة فيرى أن الوجوه ناظرة إلى أمر الله، بينما يرى السدي أنها ناظرة إلى ما يأتي من عند الله. وبصرف النظر عن الخلاف بينهم في تحديد المحذوف في الآية، هل هو الثواب أو الأمر أو ما يأتي، فإنهم جميعا يتفقون على أن في الآية حذفا، وذلك حتى لا يقع نظر الوجوه على الله عز وجل. ومعنى ذلك أن هناك في التراث التفسيري السابق على القاضي تأويلين للآية: تأويل يتفق مع ما ذهب إليه. وهو ما ورد عن الحسن البصري ومجاهد من أن «النظر» في الآية بمعنى «الانتظار» وهو يقبل هذا
التفسير ويستشهد به على صحة ما ذهب إليه. والتأويل الثاني لا يلتقي تماما مع تأويل القاضي وإن كان لا يتناقض معه، ومن ثم فهو يقبله أيضا. غير أنه يحاول التوفيق بين التأويلين. وهو يبدأ بمحاولة اعطاء شرعية لغوية لتأويل الحذف «وليس يمتنع في اللغة أن يذكر الشيء ويراد غيره، ويحذف ذكر المراد، وذلك طريقة ظاهرة في المجاز، نحو قوله: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} و {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللََّهُ}
و {جََاءَ رَبُّكَ} و {أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفََّارِ،} و {أَنَّهُمْ مُلََاقُوا رَبِّهِمْ،}
{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} لأنه في ذلك أجمع ذكر نفسه وأراد غيره». وربما أحس القاضي عبد الجبار أن استشهاده بهذه الآيات، على أن فيها حذفا، لا يستقيم إلّا على تأويل اعتزالي قد ينازعه فيه الخصوم، ومن ثم يلجأ إلى الشعر العربي، فيرى أن قول عنترة:
هلّا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
المقصود به «أرباب الخيل» ، وكذلك يرى في قول الشاعر:
سل الربع أنى يممت أم مالك ... وهل عادة للربع أن يتكلما
بعد أن يؤكّد القاضي شرعية الحذف كطريقة في التعبير، يحاول التوفيق بين التأويلين الذين قبلهما عن المفسرين قبله، وذلك لأن أحدهما يعضد تأويله المعقد «للنظر» بأنه الانتظار، والآخر لا يتناقض مع تأويله هذا. وليست محاولة عبد الجبار التوفيق فحسب، بل هي التأليف والمزج، فليس لديه مانع «أن يراد المعنيان المختلفان بالعبارة الواحدة، فلا مانع يمنع من ذلك، وما قدمنا ذكره من أن معنى الانتظار ومعنى النظر بالعين معنى واحد، ويرجعان في الموضوع إلى أصل واحد، يقتضي صحة إرادة الله تعالى لهم جميعا بعبارة واحدة على مذهب من يقول إن العبارة الواحدة لا يجوز أن يراد بها المعنيان المختلفان، لأنه قد بان بذلك أن معناهما غير مختلف، ولو ثبت أنه لا يصح بعبارة واحدة، لكان ما قدمناه على أنهما قد أريدا، ولوجب أن نحكم أن الله تعالى قد تكلم بالآية مرتين وأراد كلا المعنيين، فالطعن بما قلنا بهذا الوجه لا يصح، ولا يمتنع عندنا، فيما ليس طريقة الاجتهاد من الآي، أن يراد به أمران مختلفان، وعلى هذه الطريقة قال شيخنا أبو علي رحمه الله في قوله: {وَمََا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ،} وبضنين، أنه قد أريد كلا الأمرين به، وإن كان طريق ذلك الخبر دون الاجتهاد. ومتى صح ذلك في القراءتين لم يمتنع مثله في العبارة الواحدة إذا احتمل الأمرين» . وإذن فإن عبد الجبار في محاولته جمع التأويلين في اهاب واحد لا يجد ما يمنع أن تعبر عبارة واحدة عن معنيين. وهو في هذا المبدأ ينسى فكرة السياق ودلالة التركيب وتأثير ذلك في المعنى الكلي
للعبارة. غير أنه إن عورض بمثل هذا الاعتراض وجد في محاولته لرد الانتظار والنظر والفكر إلى معنى واحد هو الطلب تبريرا لهذا الادعاء، على أساس أنها ليست معاني مختلفة، وبالتالي فالعبارة لم تعبر عن معان مختلفة. ومن الواضح في هذه الآية أن القاضي عبد الجبار وقع في اضطرابات كثيرة، وتناقض مع نفسه أكثر من مرة وهو بصدد تأويل هذه الآية، لكن عذر عبد الجبار في هذه التأويلات أن الآية ترتبط بقضية التوحيد، وأن القرينة العقلية أو الدليل العقلي الذي يرى أن الله لا يرى لصفة تتعلق بذاته، أقوى عند المعتزلة من القرينة اللفظية.