فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 269

«إن زيدا يريد منافع عمرو» . وإذن يعود القاضي عبد الجبار إلى الاعتراف بأن استعمال «نظر» بمعنى الانتظار مجاز وليس حقيقة، غاية الأمر أنها استعملت من حيث التعدية كما استعملت في الحقيقة وعديت بحرف الجر «إلى» . وهذا الاستعمال في رأي القاضي هو الذي يجعل المجاز في اللفظ ويؤكده. ولو استعملت اللفظة في المجاز على غير ما تستعمل في الحقيقة لم تكن هي المستعارة، أي لم يكن المجاز في اللفظ المستعمل. ويستشعر عبد الجبار أن المسألة لم تحل تماما، ومن ثم يدعم هذا الرأي بسند لغوي ينسبه إلى أستاذه أبي علي الجبائي، وهو رأي لغوي شائع يقول إن حروف الجر تنوب عن بعضها «وقد قال شيخنا أبو علي رحمه الله: إذا ثبت أن لفظة الانتظار قد تعدّى ببعض حروف الجر فيقال: أنا منتظر لفلان فغير ممتنع أن تعدّى بإلى، لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام البعض، وذلك نحو قوله تعالى: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} و {يَهْدِي لِلْحَقِّ} فأقام أحدهما مقام الآخر، وكقوله {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} يعني على جذوع النخل، وقد يقال

في التعارف: «زيد قوي على عمله» و «قوي في عمله» و «هو مستعل على عمرو ولعمرو» فلا يمتنع أن يعدّى ناظر بمعنى الانتظار بإلى، ويقوم مقام اللام في هذا الباب. وليس لأحد أن يقول: فجوّزوا أن يقال في زيد أنه ضارب إلى عمرو، كما يقال ضارب لعمرو على قياس ما ذكرتم، وإلّا فيجب بطلان ما ذكرتموه. وذلك أن ما ذكرناه مجاز، فلا يجب اطراده واستعمال القياس فيه» .. وإذا كانت نيابة الحروف عن بعضها مجازا، واستعمال «نظر» بمعنى «انتظر» مجازا ثانيا، وتعلق النظر بالوجوه مجازا ثالثا، فقد وجدت في الآية ثلاثة مجازات ركب بعضها فوق بعض وهذا مما يأباه المعتزلة عموما، والقاضي عبد الجبار خصوصا، حتى أنه منذ قليل أنكر أن تكون «نظر» بمعنى «انتظر» مجازا، ولكنه عاد فاعترف بها، ووقع بالتالي في أكثر مما حاول الهرب منه. وقع في ثلاثة مجازات حمل عليها الآية، وكان قد حاول الهرب من مجازين فقط. غير أن هناك تأويلا يورده القاضي قد يعفيه من هذه المجازات التي يأخذ بعضها بخناق بعض، هو أن «إلى في الآية على ما قيل، هو (لا) حرف الجر ولا حرف التعدية، وإنما هو واحد الآلاء التي هي النعم، فكأنه تعالى قال: وجوه يومئذ ناضرة آلاء ربها منتظرة، ونعمه مترقبة» غير أن هذا التأويل لا يستهوي القاضي عبد الجبار فيما يبدو. وأغلب الظن أنه من اجتهادات شارح الأصول، لأنه أي هذا التأويل لم يرد في «المغني» .

وحمل النظر في الآية على الانتظار بهذه التأويلات المتعددة لا يريح القاضي فيما يبدو، ويدفعه على غير عادته إلى أن يستشهد بآراء المفسّرين السابقين عليه أمثال مجاهد والحسن البصري فيما ذهبا إليه من أن معنى «النظر» في الآية هو «الانتظار» غير أنه من جانب آخر وما دام قد قبل من تفسيراتهم ما يؤكّد وجهة نظره لا يستطيع أن يرفض التفسيرات التي وردت عنهم من طرق أخرى، والتي قد لا تلتقي تماما مع وجهة نظره. فقد ورد عن مجاهد والحسن البصري وعن غيرهما أمثال ابن عباس وعكرمة والسدى أن النظر في الآية بمعنى النظر الحسي لا الانتظار ولكن الآية في تفسير هؤلاء جميعا تعني أن الوجوه ناظرة إلى ثواب الله لا إلى الله نفسه وهو تأويل ابن عباس ومجاهد. أمّا عكرمة فيرى أن الوجوه ناظرة إلى أمر الله، بينما يرى السدي أنها ناظرة إلى ما يأتي من عند الله. وبصرف النظر عن الخلاف بينهم في تحديد المحذوف في الآية، هل هو الثواب أو الأمر أو ما يأتي، فإنهم جميعا يتفقون على أن في الآية حذفا، وذلك حتى لا يقع نظر الوجوه على الله عز وجل. ومعنى ذلك أن هناك في التراث التفسيري السابق على القاضي تأويلين للآية: تأويل يتفق مع ما ذهب إليه. وهو ما ورد عن الحسن البصري ومجاهد من أن «النظر» في الآية بمعنى «الانتظار» وهو يقبل هذا

التفسير ويستشهد به على صحة ما ذهب إليه. والتأويل الثاني لا يلتقي تماما مع تأويل القاضي وإن كان لا يتناقض معه، ومن ثم فهو يقبله أيضا. غير أنه يحاول التوفيق بين التأويلين. وهو يبدأ بمحاولة اعطاء شرعية لغوية لتأويل الحذف «وليس يمتنع في اللغة أن يذكر الشيء ويراد غيره، ويحذف ذكر المراد، وذلك طريقة ظاهرة في المجاز، نحو قوله: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} و {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللََّهُ}

و {جََاءَ رَبُّكَ} و {أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفََّارِ،} و {أَنَّهُمْ مُلََاقُوا رَبِّهِمْ،}

{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} لأنه في ذلك أجمع ذكر نفسه وأراد غيره». وربما أحس القاضي عبد الجبار أن استشهاده بهذه الآيات، على أن فيها حذفا، لا يستقيم إلّا على تأويل اعتزالي قد ينازعه فيه الخصوم، ومن ثم يلجأ إلى الشعر العربي، فيرى أن قول عنترة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت