فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 269

ولكن القاضي عبد الجبار حين يتعرّض لمناقشة الأساس الثاني للخصوم، وهو

قولهم إن «النظر» إذا عدي بحرف الجر «إلى» لم يحتمل إلّا الرؤية ولم يحتمل الانتظار أو الفكر، حين يتعرّض لمناقشة هذا الأساس يعود للاعتراف بأن «النظر» بمعنى «الانتظار» مجاز، ومن ثم يقع في التناقض. غير أن مناقشة هذا الأساس توقعه في تناقض آخر مع قضية سبق أن قررها حين تعرض لقوله في قصة موسى {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فهناك قرر أن النظر إذا عدي بحرف الجر «إلى» لم يحتمل إلّا الرؤية وذلك حين كان يتصدّى لتأويل مشايخه بأن «النظر» بمعنى العلم، أمّا هنا فهو لا يجد مانعا من أن يعدى «النظر» بإلى ويكون معناه الانتظار وذلك على أساس «أن اللفظة إذا قصد بها في اللغة معنى، وظاهرها موضوع في اللغة لغيره فقد تستعمل على ما يقتضيها اللفظ تارة، وعلى ما يقتضي معناها أخرى، وهذا كقوله عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَرُسُلِهِ} فأعمل اللفظ وأنث، ثم قال في آخره: {أَعَدَّ اللََّهُ لَهُمْ عَذََابًا شَدِيدًا} فأعمل المعنى المراد. فكذلك لا يمتنع أن يكون سبحانه أجرى في الخطاب على ما يقتضيه لفظ «ناظر» فعدّاه بإلى دون ما يقتضي المعنى. على أن اللفظة إذا أفادت في اللغة أمرا وتجوّز بها في غيره، فيجب أن تستعمل في المجاز على الوجه الذي وضعت له في الحقيقة، فتكون مستعارة فيه على الحد الذي هو حقيقة في غيره، ومتى غيرت عما تستعمل عليه في حقيقتها لم تكن هي المستعارة. فلما كان قولنا «ناظر» يستعمل في الحقيقة في نظر العين معدّى بإلى صح أن يتجوز به في الانتظار على هذا الحد وإن كان لو صرح بلفظ «الانتظار» بدلا منه لم يعد بإلى، وهذا كقولنا «إن زيدا يحب عمرا» بمعنى الارادة، ولو صرّح بلفظ الارادة لم يسغ دون أن يذكر نفس المراد الذي هو منافعه، فيقال:

«إن زيدا يريد منافع عمرو» . وإذن يعود القاضي عبد الجبار إلى الاعتراف بأن استعمال «نظر» بمعنى الانتظار مجاز وليس حقيقة، غاية الأمر أنها استعملت من حيث التعدية كما استعملت في الحقيقة وعديت بحرف الجر «إلى» . وهذا الاستعمال في رأي القاضي هو الذي يجعل المجاز في اللفظ ويؤكده. ولو استعملت اللفظة في المجاز على غير ما تستعمل في الحقيقة لم تكن هي المستعارة، أي لم يكن المجاز في اللفظ المستعمل. ويستشعر عبد الجبار أن المسألة لم تحل تماما، ومن ثم يدعم هذا الرأي بسند لغوي ينسبه إلى أستاذه أبي علي الجبائي، وهو رأي لغوي شائع يقول إن حروف الجر تنوب عن بعضها «وقد قال شيخنا أبو علي رحمه الله: إذا ثبت أن لفظة الانتظار قد تعدّى ببعض حروف الجر فيقال: أنا منتظر لفلان فغير ممتنع أن تعدّى بإلى، لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام البعض، وذلك نحو قوله تعالى: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} و {يَهْدِي لِلْحَقِّ} فأقام أحدهما مقام الآخر، وكقوله {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} يعني على جذوع النخل، وقد يقال

في التعارف: «زيد قوي على عمله» و «قوي في عمله» و «هو مستعل على عمرو ولعمرو» فلا يمتنع أن يعدّى ناظر بمعنى الانتظار بإلى، ويقوم مقام اللام في هذا الباب. وليس لأحد أن يقول: فجوّزوا أن يقال في زيد أنه ضارب إلى عمرو، كما يقال ضارب لعمرو على قياس ما ذكرتم، وإلّا فيجب بطلان ما ذكرتموه. وذلك أن ما ذكرناه مجاز، فلا يجب اطراده واستعمال القياس فيه» .. وإذا كانت نيابة الحروف عن بعضها مجازا، واستعمال «نظر» بمعنى «انتظر» مجازا ثانيا، وتعلق النظر بالوجوه مجازا ثالثا، فقد وجدت في الآية ثلاثة مجازات ركب بعضها فوق بعض وهذا مما يأباه المعتزلة عموما، والقاضي عبد الجبار خصوصا، حتى أنه منذ قليل أنكر أن تكون «نظر» بمعنى «انتظر» مجازا، ولكنه عاد فاعترف بها، ووقع بالتالي في أكثر مما حاول الهرب منه. وقع في ثلاثة مجازات حمل عليها الآية، وكان قد حاول الهرب من مجازين فقط. غير أن هناك تأويلا يورده القاضي قد يعفيه من هذه المجازات التي يأخذ بعضها بخناق بعض، هو أن «إلى في الآية على ما قيل، هو (لا) حرف الجر ولا حرف التعدية، وإنما هو واحد الآلاء التي هي النعم، فكأنه تعالى قال: وجوه يومئذ ناضرة آلاء ربها منتظرة، ونعمه مترقبة» غير أن هذا التأويل لا يستهوي القاضي عبد الجبار فيما يبدو. وأغلب الظن أنه من اجتهادات شارح الأصول، لأنه أي هذا التأويل لم يرد في «المغني» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت