وإذا كانت الرؤية غير النظر، وإذا كان تعلّق النظر بالوجوه مجازا، لأن المقصود بالوجه جملة الانسان، فإذا وصف الانسان بأنه ناظر دون أن يقيد ذلك بالعين أو القلب، جاز للنظر في هذه الحالة أن يحتمل الانتظار. ولكن خصوم المعتزلة قد يوردون هنا اعتراضا فحواه أن حمل الوجوه على أن المراد بها جملة الانسان مجاز، وحمل النظر على أن المراد به الانتظار مجاز أيضا وبذلك يكون في الآية مجازان وتأويلان «ولأن يحمل الكلام على الوجه الذي هو حقيقة في بعض الوجوه فهو أولى من حمله على ما هو مجاز من كل وجه» . وهذا الاعتراض
يجعل المعتزلة ينكرون أن النظر بمعنى الانتظار مجاز وذلك حتى لا يتهموا بحمل الآية على تأويلين ومجازين، ولكن هذا الانكار لمجازية «النظر» ينساه المعتزلة أعني القاضي عبد الجبار ليعودوا من جديد معترفين بأن النظر بمعنى الانتظار مجاز.
يقول القاضي عبد الجبار في انكاره لمجازية «النظر» في الآية «إن ما ادعيته من أن النظر بمعنى الانتظار مجاز ليس بمسلّم، لأنهم قد استعملوه فيه على وجه قد اطرد كاستعمالهم ذلك في النظر بالعين، فلا يمتنع أن يكون ما له سمى الجميع ذلك نظرا يرجع إلى معنى واحد وهو الطلب، فكأن المفكر المعتبر يطلب المعرفة بحال ما يفكر فيه، والناظر يطلب الرؤية، والمنتظر يطلب ما يتوقعه من جهة غيره، فمعنى الطلب في الجميع يتساوى على ما ذكرناه. ومتى صح حمل الجميع على أنه مأخوذ من وجه واحد، وموضوع في اللغة بطريقة واحدة، فما أوجب كونه حقيقة في البعض يوجب كونه حقيقة في الكل» ويبني القاضي عبد الجبار انكاره لمجازية «النظر» بمعنى الانتظار على أساسين: الأساس الأول أن الرؤية والانتظار والفكر كلها ترجع لمعنى الطلب. وبذلك يكون استعمال «النظر» بمعنى الطلب، ليستوعب كل هذه المعاني، حقيقة وليس مجازا. الأساس الثاني أن العرب قد استعملت النظر بمعنى الانتظار على وجه قد اطرد كاستعمالهم ذلك في النظر بالعين ويورد القاضي شواهد من استعمالهم «نظر» بمعنى «انتظر» «والنظر بمعنى الانتظار قد ورد قال تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلى ََ مَيْسَرَةٍ}
(البقرة / 28) أي فانتظار وقال جل وعز فيما حكي عن بلقيس {فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل / 35) أي منتظرة. وقال الشاعر:
فإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب
أي لمنتظر. وقال آخر:
وان امرأ يرجو السبيل إلى الغنى ... بغيرك عن حد الغنى جد جائر
تراه على قرب وإن بعد المدى ... بأعين آمال اليك نواظر
وقال آخر:
وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص
وقال الخليل: إنما يقال أنظر إلى الله وإلى فلان من بين الخلائق، أي انتظر خيره، ثم خير فلان».
ولكن القاضي عبد الجبار حين يتعرّض لمناقشة الأساس الثاني للخصوم، وهو
قولهم إن «النظر» إذا عدي بحرف الجر «إلى» لم يحتمل إلّا الرؤية ولم يحتمل الانتظار أو الفكر، حين يتعرّض لمناقشة هذا الأساس يعود للاعتراف بأن «النظر» بمعنى «الانتظار» مجاز، ومن ثم يقع في التناقض. غير أن مناقشة هذا الأساس توقعه في تناقض آخر مع قضية سبق أن قررها حين تعرض لقوله في قصة موسى {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فهناك قرر أن النظر إذا عدي بحرف الجر «إلى» لم يحتمل إلّا الرؤية وذلك حين كان يتصدّى لتأويل مشايخه بأن «النظر» بمعنى العلم، أمّا هنا فهو لا يجد مانعا من أن يعدى «النظر» بإلى ويكون معناه الانتظار وذلك على أساس «أن اللفظة إذا قصد بها في اللغة معنى، وظاهرها موضوع في اللغة لغيره فقد تستعمل على ما يقتضيها اللفظ تارة، وعلى ما يقتضي معناها أخرى، وهذا كقوله عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَرُسُلِهِ} فأعمل اللفظ وأنث، ثم قال في آخره: {أَعَدَّ اللََّهُ لَهُمْ عَذََابًا شَدِيدًا} فأعمل المعنى المراد. فكذلك لا يمتنع أن يكون سبحانه أجرى في الخطاب على ما يقتضيه لفظ «ناظر» فعدّاه بإلى دون ما يقتضي المعنى. على أن اللفظة إذا أفادت في اللغة أمرا وتجوّز بها في غيره، فيجب أن تستعمل في المجاز على الوجه الذي وضعت له في الحقيقة، فتكون مستعارة فيه على الحد الذي هو حقيقة في غيره، ومتى غيرت عما تستعمل عليه في حقيقتها لم تكن هي المستعارة. فلما كان قولنا «ناظر» يستعمل في الحقيقة في نظر العين معدّى بإلى صح أن يتجوز به في الانتظار على هذا الحد وإن كان لو صرح بلفظ «الانتظار» بدلا منه لم يعد بإلى، وهذا كقولنا «إن زيدا يحب عمرا» بمعنى الارادة، ولو صرّح بلفظ الارادة لم يسغ دون أن يذكر نفس المراد الذي هو منافعه، فيقال: