فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 269

وبعد هذه التفرقة بين «النظر» و «الرؤية» وأن النظر هو تقليب الحدقة الصحيحة في الشيء التماسا لرؤيته والرؤية هي ادراك الشيء، وعلى ذلك فليس كل من نظر فقد رأى، لأن الرؤية نتيجة للنظر، وتتوقف على حال المرئي من الدقة والخفاء أو الوضوح والانكشاف. بعد هذه التفرقة ينتقل القاضي عبد الجبار إلى أدلّة الخصوم دليلا دليلا لمناقشتها وتأويل الآية. والدليل الأول الذي يناقشه القاضي هو قول الخصوم أن النظر إذا علّق بالوجه لا يحتمل إلّا الرؤية، لأن الوجه آلة في النظر. يرى القاضي أن تعلق النظر بالوجوه مجاز وليس حقيقة لأن الوجوه لا ترى في الحقيقة «ولا يصح أن ينظر بها أيضا لأن النظر يقع بالعين التي في الوجه دون الوجه. وإذا لم يجز أن يراد بالوجوه العضو على الحقيقة، لأن العضو لا ينظر في

الحقيقة، ولا ينظر به في الحقيقة، فيجب متى حمل الكلام عليه أن يكون مجازا يحتاج الحامل له عليه إلى دليل» وإذن فالوجه لا ينظر في الحقيقة ولا ينظر به لأنه ليس بآلة للنظر، ومن ثمّ فالوجه هنا مجاز يدل على الجملة التي هي الانسان «ومما يبين ذلك أيضا أنه تعالى قال: {إِلى ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ} وقد علمنا أنه لم يرد بقولها «ربها» المالك، لأنه لا يكون لأهل الجنة في ذلك اختصاص، بل لا يكون للحي فيه اختصاص لكونه تعالى مالكا لجميع الأشياء، ومقتدرا على تصريفه، فعلم أن المراد بقوله إلى ربها ما يخصّ الانسان الذي هو مستحق لعبادته الثواب والتعظيم والتبجيل، وذلك يوجب منع حمله على أن المراد بالوجوه العضو، ويوجب أن المراد به جملة الانسان» ويقوم تأويل أن المراد بالوجوه جملة الانسان على أن الضمير «الهاء» في «ربها» لا يجوز أن يعود للوجوه، لأن الله تعالى لا يملك الوجوه وحدها.

وإذا كانت الآية واردة في شأن أهل الجنة فاضافة الضمير إلى «الرب» يقتضي تكريما لأهل الجنة واختصاصا يحول دون عودة الضمير إلى الوجوه ويؤكد عودتها إلى الجملة. وعلى ذلك يكون تأويل الوجوه على أن المراد بها الجملة مشروعا. وبذلك يكون هذا القول من الله تعالى قد جرى «على منهاج ما ذكره في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بََاسِرَةٌ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ} فذكر الوجوه وأراد جملة الانسان وقوله:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاعِمَةٌ لِسَعْيِهََا رََاضِيَةٌ} فكما أن تعليق الظن بالوجوه يقتضي أن المراد به جملة الانسان، لأنه الظان دون الوجه، فكذلك وصف الوجوه بأنها ناظرة يدل على ذلك، لأن الناظر هو صاحب الوجه دونه. وقد صحّ استعمال الوجه في اللغة على هذه الطريقة: فلذلك يقول القائل: هذا وجه الرأي، ووجه الطريق، ويريد به: نفس الرأي، ونفس الطريق. وعلى هذا حمل جماعة المسلمين قوله سبحانه:

{وَيَبْقى ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلََالِ وَالْإِكْرََامِ} و {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ.} ولا يبعد أن تكون الجملة وصفت بذلك، لأن بالوجه تتميز الجملة عن غيرها، فلما كان التمييز والمعرفة تقع به، وصفت الجملة بهذه الصفة».

وإذا كانت الرؤية غير النظر، وإذا كان تعلّق النظر بالوجوه مجازا، لأن المقصود بالوجه جملة الانسان، فإذا وصف الانسان بأنه ناظر دون أن يقيد ذلك بالعين أو القلب، جاز للنظر في هذه الحالة أن يحتمل الانتظار. ولكن خصوم المعتزلة قد يوردون هنا اعتراضا فحواه أن حمل الوجوه على أن المراد بها جملة الانسان مجاز، وحمل النظر على أن المراد به الانتظار مجاز أيضا وبذلك يكون في الآية مجازان وتأويلان «ولأن يحمل الكلام على الوجه الذي هو حقيقة في بعض الوجوه فهو أولى من حمله على ما هو مجاز من كل وجه» . وهذا الاعتراض

يجعل المعتزلة ينكرون أن النظر بمعنى الانتظار مجاز وذلك حتى لا يتهموا بحمل الآية على تأويلين ومجازين، ولكن هذا الانكار لمجازية «النظر» ينساه المعتزلة أعني القاضي عبد الجبار ليعودوا من جديد معترفين بأن النظر بمعنى الانتظار مجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت