فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 269

ومنها أن النظر بمعنى الانتظار لا يعدّى بإلى على ما بيناه. ومنها أن الرؤية واردة في أهل الجنة ولا يجوز عليهم الانتظار، لأن الانتظار يوجب الحسرة والغم، وقد ضرب أهل اللغة المثل به حتى قالوا: «إن الانتظار يورث الصغار» وذكروه في الأمثال

والأشعار، وذلك لا يجوز على أهل الجنة. فإذا بطل أن يكون المراد بالنظر المذكور في الآية هذه الوجوه، ثبت أن المراد به الرؤية على ما قلناه». في هذا النص يلخّص القاضي عبد الجبار أدلّة خصومه على أن المراد بالآية النظر الذي هو الرؤية بالحاسة. والأساس الأول الذي تقوم عليه هذه الأدلّة أن النظر قد علّق بالوجه، والوجه آلة في النظر، ومن ثم لا تحتمل الآية معنى الانتظار. أمّا الأساس الثاني فهو أن النظر قد عدي بحرف الجر «إلى» ومن ثم لا يحتمل معنى الفكر، لأن النظر بمعنى الفكر لا يعدّى بحرف الجر «إلى» وإنما يعدّى بحرف الجر «في» . الأساس الثالث أن الآية وردت في شأن أهل الجنة الذين لا يجوز عليهم الانتظار لما يسببه لهم من غم وقلق لا يليق بحال أهل الجنة وتكريمهم. ويتصدّى القاضي عبد الجبار لمناقشة هذه الأسس التي يقيم عليها الخصوم دليلهم. وسبيله في هذه المناقشة، وتأويل الآية بما يتفق مع أصوله، ليس سهلا ولا بسيطا، وإنما شأنه في ذلك تفتيت الآية واعمال سلاح المجاز في معظم ألفاظها، بل وفي حرف الجر أيضا.

يبدأ القاضي عبد الجبار أولا بالتفرقة بين «النظر» و «الرؤية» «لأن النظر في الحقيقة هو تقليب الحدقة الصحيحة نحو الشيء التماسا لرؤيته، والرؤية ادراك المرئي عند النظر فالنظر هو طريق للرؤية فينا فأمّا أن يكون هو الرؤية في الحقيقة فمحال. يدل على ذلك أنّا نعلم بالمشاهدة كون الناظر ناظرا، ولا نعلمه رائيا إذا كان المرئي مما يدق ويخفى. يبين ذلك أنّا نعلم أن الجماعة ناظرة إلى الهلال ولا نعلمها رائية له، ولذلك يحتاج أن يرجع إلى قولها في أنها رأت الهلال أم لم تره، ولا يحتاج في كونها ناظرة إلى ذلك، بل نعلمه باضطرار. فثبت أن النظر الذي نعلمه من حالها غير الرؤية التي نجهلها ولا نعلمها، وأن النظر الذي نعلمه لا من قبلها غير الرؤية التي نعلمها من قبلها» .

وبعد هذه التفرقة بين «النظر» و «الرؤية» وأن النظر هو تقليب الحدقة الصحيحة في الشيء التماسا لرؤيته والرؤية هي ادراك الشيء، وعلى ذلك فليس كل من نظر فقد رأى، لأن الرؤية نتيجة للنظر، وتتوقف على حال المرئي من الدقة والخفاء أو الوضوح والانكشاف. بعد هذه التفرقة ينتقل القاضي عبد الجبار إلى أدلّة الخصوم دليلا دليلا لمناقشتها وتأويل الآية. والدليل الأول الذي يناقشه القاضي هو قول الخصوم أن النظر إذا علّق بالوجه لا يحتمل إلّا الرؤية، لأن الوجه آلة في النظر. يرى القاضي أن تعلق النظر بالوجوه مجاز وليس حقيقة لأن الوجوه لا ترى في الحقيقة «ولا يصح أن ينظر بها أيضا لأن النظر يقع بالعين التي في الوجه دون الوجه. وإذا لم يجز أن يراد بالوجوه العضو على الحقيقة، لأن العضو لا ينظر في

الحقيقة، ولا ينظر به في الحقيقة، فيجب متى حمل الكلام عليه أن يكون مجازا يحتاج الحامل له عليه إلى دليل» وإذن فالوجه لا ينظر في الحقيقة ولا ينظر به لأنه ليس بآلة للنظر، ومن ثمّ فالوجه هنا مجاز يدل على الجملة التي هي الانسان «ومما يبين ذلك أيضا أنه تعالى قال: {إِلى ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ} وقد علمنا أنه لم يرد بقولها «ربها» المالك، لأنه لا يكون لأهل الجنة في ذلك اختصاص، بل لا يكون للحي فيه اختصاص لكونه تعالى مالكا لجميع الأشياء، ومقتدرا على تصريفه، فعلم أن المراد بقوله إلى ربها ما يخصّ الانسان الذي هو مستحق لعبادته الثواب والتعظيم والتبجيل، وذلك يوجب منع حمله على أن المراد بالوجوه العضو، ويوجب أن المراد به جملة الانسان» ويقوم تأويل أن المراد بالوجوه جملة الانسان على أن الضمير «الهاء» في «ربها» لا يجوز أن يعود للوجوه، لأن الله تعالى لا يملك الوجوه وحدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت