فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 269

أفرد القاضي عبد الجبار ضمن مؤلفاته العديدة كتابا كبيرا من قسمين لتأويل متشابهات القرآن وردها إلى المحكمات. وقدّم بين يدي هذا الكتاب مقدمة ضافية وضع فيها الأسس والقواعد التي ينبغي أن تحكم عملية التأويل وتضبطها. هذا علاوة على المواضع الكثيرة التي تناول فيها هذه القضية في موسوعته الضخمة

«المغني في أبواب التوحيد والعدل» وفي شرحه للأصول الخمسة كذلك. والأساس عنده أن القرآن كلام الله، والكلام ليس صفة من صفات الذات، وإنما هو صفة من صفات الأفعال (لأنه محدث على وجه مخصوص) . وهو كلام قصد به منفعة البشر وهدايتهم ولذلك فلا بدّ من أن يكون دلالة، وإلّا انتفت عنه صفة المنفعة، وانتفت الحكمة بالتالي عن فعل من أفعال الله. «والقول إذا كان بلغة مخصوصة فقد وضع ليدل على المراد، فمتى خاطب به الحكيم الذي لا تصح عليه الحاجة إلّا ليفيد به المخاطب، فقد خاطب به على وجه يقبح» .

وإذا كان القول وكلام الله قول بلغة مخصوصة فإنه يدل بشرطين:

الشرط الأول هو وجود مواضعة سابقة والشرط الثاني هو معرفة قصد المتكلم أو المخاطب بهذا القول «لأن الخبر لا يعلم بصيغته أنه صدق أو كذب حتى إذا علم حال المخبر صحّ أن نعلم ذلك، وقد علمنا أن ما أخبر جل وعز عنه في القرآن لم يتقدم لنا العلم بحال مخبره، فيجب أن لا يعلم أنه صدق إلّا بعد العلم بحال المخبر وأنه حكيم» .

ومعنى هذا أن الاستدلال بالقرآن، أو اعتباره دلالة لا يصحّ إلّا بعد معرفة المتكلم بكل صفاته من التوحيد والعدل، بما يتضمنه مبدأ العدل من أن الله حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا يكذب في أخباره. وإذا كانت كل هذه الاشياء من صميم النظر العقلي، لا من الاستدلال السمعي، فإن القرآن نفسه لا بدّ أن يخضع في الاستدلال به للنظر العقلي. والواقع أن المعتزلة لم يتصوروا للحظة واحدة امكانية أن يدل العقل على خلاف ما يدل عليه القرآن، غاية الأمر أنهم كانوا في جدلهم المستمر مع غير المسلمين أو مع مخالفيهم من المسلمين يريدون أن يحتكموا إلى مبدأ ظنوا أنه لا يخطئ إذا استخدم استخداما سليما، ولذلك هاجموا خصومهم هجوما عنيفا على أساس أن نظرهم في القرآن كان ناقصا وخاطئا «لأنهم إنما أتوا في ذلك من جهة الجهل بما يجوز على الله تعالى، و (ما) لا يجوز وبطريقة اللغة، فأما مع المعرفة بذلك وتأمل الآيات فلا بدّ من أن ينكشف أنه لا اختلاف في دلالته، وهذا كما نقول من أن قول الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} موافق لقوله {وَجََاءَ رَبُّكَ} متى حمل ذلك على أن تأويله وجاء متحملو أمر ربك ونحو قوله تعالى {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} انه موافق لقوله {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} إذا حمل على أن المراد به العاقبة إن المتعلق بمثل ذلك لا يخلو من أن يزعم أن القرآن دلالة على التوحيد والعدل، أو يقول: لا نعلم صحة دلالته إلّا بعد العلم بالتوحيد والعدل، وبينا فساد القول الأول، بأن قلنا: إن من

لا يعرف المتكلم، ولا يعلم أنه ممن لا يتكلم إلّا بحق، لا يصحّ أن يستدل بكلامه، لأنه لا يمكن أن يعلم صحة كلامه إلّا بما قدمناه، لأنه لا يصح أن يعلمه بقوله: أن كلامه حق، لأنه إذا جوّز في كلامه أن يكون باطلا يجوّز في هذا القول أيضا أن يكون باطلا، وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت