فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 269

ومعنى هذا أن الاستدلال بالقرآن، أو اعتباره دلالة لا يصحّ إلّا بعد معرفة المتكلم بكل صفاته من التوحيد والعدل، بما يتضمنه مبدأ العدل من أن الله حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا يكذب في أخباره. وإذا كانت كل هذه الاشياء من صميم النظر العقلي، لا من الاستدلال السمعي، فإن القرآن نفسه لا بدّ أن يخضع في الاستدلال به للنظر العقلي. والواقع أن المعتزلة لم يتصوروا للحظة واحدة امكانية أن يدل العقل على خلاف ما يدل عليه القرآن، غاية الأمر أنهم كانوا في جدلهم المستمر مع غير المسلمين أو مع مخالفيهم من المسلمين يريدون أن يحتكموا إلى مبدأ ظنوا أنه لا يخطئ إذا استخدم استخداما سليما، ولذلك هاجموا خصومهم هجوما عنيفا على أساس أن نظرهم في القرآن كان ناقصا وخاطئا «لأنهم إنما أتوا في ذلك من جهة الجهل بما يجوز على الله تعالى، و (ما) لا يجوز وبطريقة اللغة، فأما مع المعرفة بذلك وتأمل الآيات فلا بدّ من أن ينكشف أنه لا اختلاف في دلالته، وهذا كما نقول من أن قول الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} موافق لقوله {وَجََاءَ رَبُّكَ} متى حمل ذلك على أن تأويله وجاء متحملو أمر ربك ونحو قوله تعالى {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} انه موافق لقوله {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} إذا حمل على أن المراد به العاقبة إن المتعلق بمثل ذلك لا يخلو من أن يزعم أن القرآن دلالة على التوحيد والعدل، أو يقول: لا نعلم صحة دلالته إلّا بعد العلم بالتوحيد والعدل، وبينا فساد القول الأول، بأن قلنا: إن من

لا يعرف المتكلم، ولا يعلم أنه ممن لا يتكلم إلّا بحق، لا يصحّ أن يستدل بكلامه، لأنه لا يمكن أن يعلم صحة كلامه إلّا بما قدمناه، لأنه لا يصح أن يعلمه بقوله: أن كلامه حق، لأنه إذا جوّز في كلامه أن يكون باطلا يجوّز في هذا القول أيضا أن يكون باطلا، وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة».

وإذا كان القرآن لا تعرف دلالته إلّا بعد تقدم المعرفة العقلية بتوحيد الله وعدله وسائر صفاته، فإن الحاجة للقرآن وللسمع عموما تصبح تابعة للعقل. ويبدو أن المعتزلة في هذه الحالة يعطون للعقل الأولوية على النص.

ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن العقل الضروري العلوم الضرورية هبة من الله للبشر جميعا منحها لهم وعلى أساسه كلفهم بعد أن نصب لهم الأدلة. في هذه الحالة لا يحسّ المعتزلة أي تناقض بين العقل والقرآن لأن كليهما من عند الله، وكلاهما يتفقان بالضرورة. وإنما يأتي خطأ من يستدل بالقرآن من خطئه في الاستدلال العقلي، أو من اهماله لقضية الاستدلال العقلي اهمالا تاما. وعلى ذلك فالمعتزلة حين يردون الخصم إلى أدلة العقل، لا يردونه إلى شيء خارج اطار القدرة الالهية أو النعمة الالهية. الفارق الوحيد بين أدلّة العقل وأدلّة القرآن، أن أدلّة العقل لا يدخلها الاشتراك والمجاز والاستعارة، كما يدخل ذلك في أدلّة القرآن، التي هى لغة من طبيعتها الاشتراك والمجاز والاستعارة. أمّا الفارق الثاني فهو أن اللغة لا تدل إلّا بعد معرفة قصد القائل، على العكس من الفعل الذي يدل بمجرده على الفاعل، وبوقوعه محكما على أن فاعله عالم. والفعل في هذه الحالة يدل دون أن نضع الفاعل في اعتبارنا، والأمر على عكس ذلك في اللغة التي لا بدّ من اعتبار حال الفاعل وقصده حتى تقع دلالة فإن «كل فعل لا تعلم صحته ولا وجه دلالته إلّا بعد أن يعرف حال فاعله لا يمكن أن يستدل به على اثبات فاعله ولا على صفاته، وإنما يمكن أن يستدل به على سوى ذلك من الأحكام، لأنه إن دلّ على حال فاعله، ولا يعلم صحته إلّا وقد علم فاعله، أدّى ذلك إلى أن لا يدل عليه إلّا بالمعرفة به، ومتى علم الشيء استغني عن الدلالة عليه» وهكذا يعود بنا القاضي عبد الجبار إلى الاساس الذي سبق أن ناقشناه، وهو الأساس الذي يضع اللغة نوعا ثالثا من أنواع الدلالة العقلية.

وإذا كانت اللغة نوعا من الاستدلال المؤدي إلى المعرفة، فمن الطبيعي والحالة هذه، أن يكون فيها كأنواع الأدلة عموما ما هو واضح، ومنها ما هو غامض. وعلى مستوى القرآن سيكون المحكم هو الدليل الواضح، وسيكون

المتشابه هو الدليل الغامض الذي يحتاج لمزيد من النظر حتى يدل. أمّا على مستوى اللغة العادية كلام البشر فسيصبح الكلام الخالي من القرينة والذي يدل بظاهره هو الدليل الواضح، والغامض هو الذي لا يدل بظاهره وإنما يحتاج لمضامة القرينة حتى يدل. وكل ذلك يتساوى في النهاية، أي يتساوى مفهوم المحكم والمتشابه، مع مفهوم اللغة الحقيقية واللغة المجازية، وبالتالي يصبح التأويل في المتشابهات هو الوسيلة لرفع غموضها بردها إلى المحكم، ويصبح المجاز هو الأداة الرئيسية لعملية التأويل هذه. وهذه المقابلة بين الاستدلال اللغوي والاستدلال العقلي يعقدها القاضي عبد الجبار بشكل يؤكّد ما نذهب إليه. يقول: «اعلم أن الغرض بكتاب الله جل وعز التوصل به إلى العلم بما كلفناه وبما يتصل بذلك من الثواب والعقاب، والقصص وغيره. والعلوم قد يجوز أن يكون الصلاح فيها أن تكون ضرورية وأن تكون مكتسبة. ومتى كانت ضرورية فقد يكون الصلاح أن يتوصل إليها بمعاناة، وقد يكون الصلاح في خلافه وكذلك المكتسب قد يكون الصلاح في أن ينجلي طريقه، وقد تكون المصلحة في أن يغمض ذلك. وصارت العلوم في هذا الوجه بمنزلة سائر الافعال التي يفعلها الله والتي يكلفناها. فإذا ثبت ذلك، فكما ليس لأحد من أصحاب المعارف أن يقول: ما الفائدة في أن نكلف اكتساب المعرفة بالله عز وجل وبتوحيده وعدله، وهلا جعل ذلك أجمع في العلوم الضرورية، ليكون أجلى ولتزول الشبه والشكوك، فكذلك لا يجوز لهذا السائل مثله في طرق الأدلة فيقول: هلا جعلها عز وجل متفقة في الوضوح! وبمثل ذلك أبطلنا قول من قال بنفي القياس والاجتهاد إذا عوّل على أن النصوص تزول عنها الريب فيجب أن تكون الأحكام مستدركة بها، فقلنا: إن المصلحة قد تختلف في طرق الأحكام كما تختلف في نفس الأحكام، فكما لا يجوز أن يقال فيها: إنه يجب أن يجري على وجه واحد، فكذلك القول في طريقها وأدلتها» وهذا الاختلاف بين الأدلة في وضوح بعضها وغموض بعضها الآخر يردّ إلى مصلحة خاصة بالمكلف، وهي مصلحة ترتد إلى اثارة العقل «لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح في بعض الأدلة أن يستقل بنفسه فيعرف المراد به بانفراده، وفي بعضها أن لا يعرف المراد به إلّا مع غيره، ألا ترى أن العادة قد جرت أنّا نعلم المدركات الواضحة بالادراك، ولا نعلم بالاخبار ما تتناولة إلّا إذا تكررت، وكذلك المدركات إذا غمضت. فإذا جاز اختلاف المصالح فيما يفعله تعالى من العلوم، ففيها ما يفعله تعالى ابتداء. وفيها ما يفعله عن سبب واحد، وفيها ما يفعله عن أسباب، بحسب ما يعلم من الصلاح» . وبفكرة الصلاح يعود القاضي للرد على التساؤل الذي يمكن أن يثار حول أهمية القرآن إذا كان العقل وحده يستطيع أن يعرف الله بكل صفاته من

التوحيد والعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت