فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 269

وإذا كانت اللغة نوعا من الاستدلال المؤدي إلى المعرفة، فمن الطبيعي والحالة هذه، أن يكون فيها كأنواع الأدلة عموما ما هو واضح، ومنها ما هو غامض. وعلى مستوى القرآن سيكون المحكم هو الدليل الواضح، وسيكون

المتشابه هو الدليل الغامض الذي يحتاج لمزيد من النظر حتى يدل. أمّا على مستوى اللغة العادية كلام البشر فسيصبح الكلام الخالي من القرينة والذي يدل بظاهره هو الدليل الواضح، والغامض هو الذي لا يدل بظاهره وإنما يحتاج لمضامة القرينة حتى يدل. وكل ذلك يتساوى في النهاية، أي يتساوى مفهوم المحكم والمتشابه، مع مفهوم اللغة الحقيقية واللغة المجازية، وبالتالي يصبح التأويل في المتشابهات هو الوسيلة لرفع غموضها بردها إلى المحكم، ويصبح المجاز هو الأداة الرئيسية لعملية التأويل هذه. وهذه المقابلة بين الاستدلال اللغوي والاستدلال العقلي يعقدها القاضي عبد الجبار بشكل يؤكّد ما نذهب إليه. يقول: «اعلم أن الغرض بكتاب الله جل وعز التوصل به إلى العلم بما كلفناه وبما يتصل بذلك من الثواب والعقاب، والقصص وغيره. والعلوم قد يجوز أن يكون الصلاح فيها أن تكون ضرورية وأن تكون مكتسبة. ومتى كانت ضرورية فقد يكون الصلاح أن يتوصل إليها بمعاناة، وقد يكون الصلاح في خلافه وكذلك المكتسب قد يكون الصلاح في أن ينجلي طريقه، وقد تكون المصلحة في أن يغمض ذلك. وصارت العلوم في هذا الوجه بمنزلة سائر الافعال التي يفعلها الله والتي يكلفناها. فإذا ثبت ذلك، فكما ليس لأحد من أصحاب المعارف أن يقول: ما الفائدة في أن نكلف اكتساب المعرفة بالله عز وجل وبتوحيده وعدله، وهلا جعل ذلك أجمع في العلوم الضرورية، ليكون أجلى ولتزول الشبه والشكوك، فكذلك لا يجوز لهذا السائل مثله في طرق الأدلة فيقول: هلا جعلها عز وجل متفقة في الوضوح! وبمثل ذلك أبطلنا قول من قال بنفي القياس والاجتهاد إذا عوّل على أن النصوص تزول عنها الريب فيجب أن تكون الأحكام مستدركة بها، فقلنا: إن المصلحة قد تختلف في طرق الأحكام كما تختلف في نفس الأحكام، فكما لا يجوز أن يقال فيها: إنه يجب أن يجري على وجه واحد، فكذلك القول في طريقها وأدلتها» وهذا الاختلاف بين الأدلة في وضوح بعضها وغموض بعضها الآخر يردّ إلى مصلحة خاصة بالمكلف، وهي مصلحة ترتد إلى اثارة العقل «لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح في بعض الأدلة أن يستقل بنفسه فيعرف المراد به بانفراده، وفي بعضها أن لا يعرف المراد به إلّا مع غيره، ألا ترى أن العادة قد جرت أنّا نعلم المدركات الواضحة بالادراك، ولا نعلم بالاخبار ما تتناولة إلّا إذا تكررت، وكذلك المدركات إذا غمضت. فإذا جاز اختلاف المصالح فيما يفعله تعالى من العلوم، ففيها ما يفعله تعالى ابتداء. وفيها ما يفعله عن سبب واحد، وفيها ما يفعله عن أسباب، بحسب ما يعلم من الصلاح» . وبفكرة الصلاح يعود القاضي للرد على التساؤل الذي يمكن أن يثار حول أهمية القرآن إذا كان العقل وحده يستطيع أن يعرف الله بكل صفاته من

التوحيد والعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت