وإذا كانت اللغة نوعا من الاستدلال المؤدي إلى المعرفة، فمن الطبيعي والحالة هذه، أن يكون فيها كأنواع الأدلة عموما ما هو واضح، ومنها ما هو غامض. وعلى مستوى القرآن سيكون المحكم هو الدليل الواضح، وسيكون
المتشابه هو الدليل الغامض الذي يحتاج لمزيد من النظر حتى يدل. أمّا على مستوى اللغة العادية كلام البشر فسيصبح الكلام الخالي من القرينة والذي يدل بظاهره هو الدليل الواضح، والغامض هو الذي لا يدل بظاهره وإنما يحتاج لمضامة القرينة حتى يدل. وكل ذلك يتساوى في النهاية، أي يتساوى مفهوم المحكم والمتشابه، مع مفهوم اللغة الحقيقية واللغة المجازية، وبالتالي يصبح التأويل في المتشابهات هو الوسيلة لرفع غموضها بردها إلى المحكم، ويصبح المجاز هو الأداة الرئيسية لعملية التأويل هذه. وهذه المقابلة بين الاستدلال اللغوي والاستدلال العقلي يعقدها القاضي عبد الجبار بشكل يؤكّد ما نذهب إليه. يقول: «اعلم أن الغرض بكتاب الله جل وعز التوصل به إلى العلم بما كلفناه وبما يتصل بذلك من الثواب والعقاب، والقصص وغيره. والعلوم قد يجوز أن يكون الصلاح فيها أن تكون ضرورية وأن تكون مكتسبة. ومتى كانت ضرورية فقد يكون الصلاح أن يتوصل إليها بمعاناة، وقد يكون الصلاح في خلافه وكذلك المكتسب قد يكون الصلاح في أن ينجلي طريقه، وقد تكون المصلحة في أن يغمض ذلك. وصارت العلوم في هذا الوجه بمنزلة سائر الافعال التي يفعلها الله والتي يكلفناها. فإذا ثبت ذلك، فكما ليس لأحد من أصحاب المعارف أن يقول: ما الفائدة في أن نكلف اكتساب المعرفة بالله عز وجل وبتوحيده وعدله، وهلا جعل ذلك أجمع في العلوم الضرورية، ليكون أجلى ولتزول الشبه والشكوك، فكذلك لا يجوز لهذا السائل مثله في طرق الأدلة فيقول: هلا جعلها عز وجل متفقة في الوضوح! وبمثل ذلك أبطلنا قول من قال بنفي القياس والاجتهاد إذا عوّل على أن النصوص تزول عنها الريب فيجب أن تكون الأحكام مستدركة بها، فقلنا: إن المصلحة قد تختلف في طرق الأحكام كما تختلف في نفس الأحكام، فكما لا يجوز أن يقال فيها: إنه يجب أن يجري على وجه واحد، فكذلك القول في طريقها وأدلتها» وهذا الاختلاف بين الأدلة في وضوح بعضها وغموض بعضها الآخر يردّ إلى مصلحة خاصة بالمكلف، وهي مصلحة ترتد إلى اثارة العقل «لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح في بعض الأدلة أن يستقل بنفسه فيعرف المراد به بانفراده، وفي بعضها أن لا يعرف المراد به إلّا مع غيره، ألا ترى أن العادة قد جرت أنّا نعلم المدركات الواضحة بالادراك، ولا نعلم بالاخبار ما تتناولة إلّا إذا تكررت، وكذلك المدركات إذا غمضت. فإذا جاز اختلاف المصالح فيما يفعله تعالى من العلوم، ففيها ما يفعله تعالى ابتداء. وفيها ما يفعله عن سبب واحد، وفيها ما يفعله عن أسباب، بحسب ما يعلم من الصلاح» . وبفكرة الصلاح يعود القاضي للرد على التساؤل الذي يمكن أن يثار حول أهمية القرآن إذا كان العقل وحده يستطيع أن يعرف الله بكل صفاته من
التوحيد والعدل.
ولكي يبين القاضي وجه المصلحة في خطاب الله تعالى يفرّق بين وجهين من الكلام «أحدهما يتصل بنفس الخطاب وموضوعه، والآخر بما يدل الخطاب عليه من الأحكام العقلية والسمعية» : أولهما الكلام نفسه، والثاني ما يدل عليه هذا الكلام من أحكام العقل والسمع.
فأمّا الجانب الأول جانب الخطاب نفسه فهو ينقسم إلى ضربين:
«أحدهما يستقل بنفسه في الانباء عن المراد، فهذا لا يحتاج إلى غيره في كونه حجة ودلالة. والثاني: لا يستقل بنفسه فيما يقتضيه، بل يحتاج إلى غيره، ثم ينقسم ذلك إلى قسمين: أحدهما يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما، والثاني يعرف المراد به بذلك الغير بانفراده ويكون هذا الخطاب لطفا وتأكيدا» في هذا الوجه الأول، وهو ما يختص بالخطاب نفسه، أي بالعبارة من حيث هي عبارة لغوية، ينقسم الخطاب إلى ثلاثة أنواع: نوع يدل بنفسه أي بظاهره دون حاجة لأي معرفة خارجية مستقلة عنه. أما النوع الثاني وهو ما يحتاج في معرفته إلى غيره فينقسم بدوره إلى قسمين: الأول أن يدل الخطاب بنفسه وبذلك الغير معا، أي أن يدل الخطاب على ما يدل عليه بتركيبه الذاتي وبالقرينة الملازمة له عقلية كانت أو لفظية معا. أمّا النوع الثاني فهو النوع الذي لا يدل فيه الخطاب على شيء، بل القرينة، العقلية أساسا هي التي تدل، وهي قرينة منفصلة عن الخطاب. وتكون وظيفة الخطاب والحالة هذه تأكيد هذه الدلالة العقلية السابقة، ويعتبر القاضي عبد الجبار هذا النوع الأخير لطفا.
ويربط القاضي عبد الجبار بين القرينة اللفظية والعقلية في هذه الأنواع من وجهي الخطاب ربطا محكما حيث يقول «ولا يخرج خطاب الله أجمع عن هذه الأقسام الثلاثة. والقرائن قد تكون متصلة سمعا، وقد تكون منفصلة سمعا وعقلا، وقد بينا أن الدليل العقلي وإن انفصل فهو كالمتصل في أن الخطاب يترتب عليه، لأن قوله جل وعز: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} مع الدليل العقلي الدال على أنه لا يكلف من لا عقل له، أكد في بابه من أن يقول: يا أيها العقلاء اعبدوا ربكم» .
كانت هذه الأنواع هي الأنواع التي ينقسم إليه الخطاب بنفسه، أي ببنائه اللغوي. أمّا الوجه الآخر من وجهي الخطاب وهو ما يدل عليه الخطاب من الأحكام العقلية والسمعية فينقسم أيضا إلى أنواع ثلاثة، وهذه الأنواع الثلاثة الأخرى تتطابق مع الأنواع الثلاثة السابقة، غاية الأمر أن الأنواع الثلاثة الأولى
تتعلق ببنية الخطاب، أمّا هذه الأنواع فترتبط بمضمونه «واعلم أن الخطاب على ضربين: أحدهما يدل على ما لولا الخطاب لما صحّ أن يعلم بالعقل، والآخر يدل على ما لولاه لأمكن أن يعرف بأدلة العقول. ثم ينقسم ذلك، ففيه ما لولا الخطاب لأمكن أن يعلم بأدلة العقول، ويصح أن يعلم مع ذلك بالخطاب، فيكون كل واحد كصاحبه في أنه يصح أن يعلم به الغرض. وفيه ما لولا الخطاب لأمكن أن يعلم بالعقل ولا يمكن أن يعلم إلّا به.