كانت هذه الأنواع هي الأنواع التي ينقسم إليه الخطاب بنفسه، أي ببنائه اللغوي. أمّا الوجه الآخر من وجهي الخطاب وهو ما يدل عليه الخطاب من الأحكام العقلية والسمعية فينقسم أيضا إلى أنواع ثلاثة، وهذه الأنواع الثلاثة الأخرى تتطابق مع الأنواع الثلاثة السابقة، غاية الأمر أن الأنواع الثلاثة الأولى
تتعلق ببنية الخطاب، أمّا هذه الأنواع فترتبط بمضمونه «واعلم أن الخطاب على ضربين: أحدهما يدل على ما لولا الخطاب لما صحّ أن يعلم بالعقل، والآخر يدل على ما لولاه لأمكن أن يعرف بأدلة العقول. ثم ينقسم ذلك، ففيه ما لولا الخطاب لأمكن أن يعلم بأدلة العقول، ويصح أن يعلم مع ذلك بالخطاب، فيكون كل واحد كصاحبه في أنه يصح أن يعلم به الغرض. وفيه ما لولا الخطاب لأمكن أن يعلم بالعقل ولا يمكن أن يعلم إلّا به.
فالأول هو الأحكام الشرعية، فإنها إنما تعلم بالخطاب وما يتصل به، ولولاه لما صحّ أن يعلم بالعقل الصلوات الواجبة ولا شروطها ولا أوقاتها، وكذلك سائر العبادات الشرعية.
والثاني هو القول في أنه عز وجل لا يرى، لأنه يصح أن يعلم سمعا وعقلا، وكذلك كثير من مسائل الوعيد.
والثالث بمنزلة التوحيد والعدل، لأن قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
{وَلََا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} و {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ} لا يعلم به التوحيد ونفي التشبيه والقول بالعدل، لأنه متى لم يتقدم للانسان المعرفة بهذه الأمور، لم يعلم أن خطابه تعالى حق، فكيف يمكنه أن يحتج فيما ان لم تتقدم معرفته به لم يعلم صحته».
وهكذا يوضح القاضي عبد الجبار بالأمثلة أنواع وجهي الخطاب.
فالنوع الذي يدل ببنيته ولا يحتاج لقرينة عقلية أو لفظية هو الذي يدل على الأحكام الشرعية، فهذه الأحكام كالصلاة ومقاديرها وشروطها لا يمكن أن تعلم إلّا بخطاب الله، ولا يمكن الوصول إليها بالعقل وحده. أمّا النوع الثاني فهو ما يدل بنفسه وبأدلة العقل معا، ويمكن للخطاب وحده أن يدل عليه، وكذلك يمكن للعقل وحده أن يدل عليه، وذلك مثل الآيات التي وردت في نفي الرؤية عن الله وفي كثير من مسائل الوعيد. أمّا النوع الثالث من أنواع الخطاب الإلهي فهو لا يدل اطلاقا بصيغته على المراد به، بل العقل هو الذي يدل منفردا، وذلك كل الآيات التي وردت في التوحيد والعدل.
ويظلّ التساؤل حول النوعين الثاني والثالث وسبب ورودهما ما دامت أدلة العقل وحدها تفيد عنهما واردا. ولكن علينا ألّا ننسى أن القاضي لا يفرق بين القرينة اللفظية والعقلية، بل يعتبر القرينة العقلية «أكد في بابه» على حد تعبيره.
ومع ذلك يظلّ السؤال واردا، إذ ما دام العقل وحده يمكن أن يدلنا على مضمون النوعين الثاني والثالث فما الحاجة للخطاب إذن، وما وجه دلالته وأهميته؟ هنا يربط
القاضي عبد الجبار ورود هذا النوع من الخطاب بالتكليف العقلي وضرورة النظر والاستدلال، ويعدّ ورود المحكم من قبيل اللطف الباعث على النظر. ومن شأن النظر أن يؤدي إلى المعرفة، وبذلك يكون ورود المحكم غايته اثارة العقل ودفعه للنظر والبحث والاستدلال «إنه عز وجل إنما خاطب بذلك ليبعث السائل على النظر والاستدلال، بما ركب في العقول من الأدلة. أو لأنه علم أن المكلف عند سماعه والفكر فيه يكون أقرب إلى الاستدلال عليه، منه لو لم يسمع بذلك، فهذه الفائدة تخرج الخطاب من حد العبث» .