ومع ذلك يظلّ السؤال واردا، إذ ما دام العقل وحده يمكن أن يدلنا على مضمون النوعين الثاني والثالث فما الحاجة للخطاب إذن، وما وجه دلالته وأهميته؟ هنا يربط
القاضي عبد الجبار ورود هذا النوع من الخطاب بالتكليف العقلي وضرورة النظر والاستدلال، ويعدّ ورود المحكم من قبيل اللطف الباعث على النظر. ومن شأن النظر أن يؤدي إلى المعرفة، وبذلك يكون ورود المحكم غايته اثارة العقل ودفعه للنظر والبحث والاستدلال «إنه عز وجل إنما خاطب بذلك ليبعث السائل على النظر والاستدلال، بما ركب في العقول من الأدلة. أو لأنه علم أن المكلف عند سماعه والفكر فيه يكون أقرب إلى الاستدلال عليه، منه لو لم يسمع بذلك، فهذه الفائدة تخرج الخطاب من حد العبث» .
بعد هذا التفسير الثلاثي للخطاب الالهي بوجهيه، الصيغة والمضمون، يستبعد القاضي عبد الجبار النوع الأول من دائرة المحكم والمتشابه، على أساس أنه يدل بنفسه دون حاجة أو معرفة خارجية، وهو ذلك النوع الذي يدل على الأحكام الشرعية كالصلاة وشروطها ومواقيتها الخ. أمّا النوعان الثاني والثالث وهو الخطاب الذي لا يستقلّ بنفسه فإن الناس قد اختلفوا في العبارة عنه «وليس المعتبر بالعبارات، لأن وصف بعضه بأنه محكم، وبعضه بأنه متشابه وبعضه بأنه مجاز، وبعضه بأنه محذوف، إلى ما شاكله، لا يؤثر في أنه متفق في الوجه الذي ذكرناه، وفي أنه يحتاج فيه إلى طلب قرينة يعرف بها المراد، لكنه قد يختلف، ففيه ما يحتاج إلى قرائن وفيه ما يحتاج إلى قرينة واحدة ويتفاوت في ذلك، وربما ظهر الحال في تلك القرينة وربما غمض، ولذلك يكثر اختلاف الفقهاء وأهل العلم فيما هذا حاله» . ويؤكّد القاضي خروج آيات الأحكام من نطاق المحكم والمتشابه في موضع آخر، وذلك على أساس أن هذه الآيات ترتبط ببعضها في القرآن كله «إن آيات الكتاب التي هي دالّة في الحقيقة على الحلال والحرام لا يمكن ادعاء التناقض فيها، لأنها إذا اختلفت فلا بدّ من أن تقدر التقدير الذي قدمناه، فيخص بعضها بعضا، وتجعل وهي مفترقة كأنها متصلة، وكأن بعضها مقيد ببعض، على ما يجب في طريقة اللغة» .
ولكي يتأكد للقاضي عبد الجبار هذا الربط بين آيات القرآن وأدلّة العقل وضرورة رد الأولى إلى الثانية، خصوصا تلك الآيات التي لا تدل بظاهر صيغتها، كان عليه أن ينفي كل تعريفات المحكم والمتشابه التي كانت مطروحة قبله أو في عصره ومنها الآراء التي سبق أن أشرنا إليها في صدر هذا الفصل. فهو يرفض الرأي القائل بأن المحكم والمتشابه هو الناسخ والمنسوخ وذلك «لأن اللغة لا تقتضي ذلك، وقد يكون المنسوخ مما يدل ظاهره على المراد فيكون محكما فيما أريد به وإن نسخ وقد يكون الناسخ غير مستقل بنفسه فيكون متشابها وإن كان المراد به ثابتا
وكذلك القول في القصص إنه إذا كان المراد به جليا وجب أن يكون محكما».