فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 269

ولكي يتأكد للقاضي عبد الجبار هذا الربط بين آيات القرآن وأدلّة العقل وضرورة رد الأولى إلى الثانية، خصوصا تلك الآيات التي لا تدل بظاهر صيغتها، كان عليه أن ينفي كل تعريفات المحكم والمتشابه التي كانت مطروحة قبله أو في عصره ومنها الآراء التي سبق أن أشرنا إليها في صدر هذا الفصل. فهو يرفض الرأي القائل بأن المحكم والمتشابه هو الناسخ والمنسوخ وذلك «لأن اللغة لا تقتضي ذلك، وقد يكون المنسوخ مما يدل ظاهره على المراد فيكون محكما فيما أريد به وإن نسخ وقد يكون الناسخ غير مستقل بنفسه فيكون متشابها وإن كان المراد به ثابتا

وكذلك القول في القصص إنه إذا كان المراد به جليا وجب أن يكون محكما».

ومن الطبيعي أن يرفض القاضي أيضا ذلك الرأي الذي يقول إن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور، لأن ذلك يؤدّي بالضرورة إلى قبول الرأي القائل بعدم امكانية معرفة المتشابه. ولا يكتفي القاضي برفض هذا الرأي فحسب، بل يحاول أن يطرح تفسيرا لهذه الظاهرة، أو بمعنى أصح أن يقبل تفسير الحسن البصري لهذه الظاهرة، وهي أن هذه الحروف ليست إلّا أسماء للسور.

يقول: «فأمّا قوله عز وجل في فواتح السور، وذلك مثل: (المص) و (الم) إلى ما شاكله، فليس من المتشابه. وقد أراد عز وجل به ما إذا علمه المكلف كان صلاحا له. وأحسن ما قيل فيه ما روي عن الحسن وغيره من أنه عز وجل أراد أن يجعله اسما للسور، واثبات الكلمة اسما للسورة، والقصد بها إلى ذلك مما يحسن في الحكمة، كما يحسن من سائر من عرف شيئا وفصل بينه وبين غيره أن يجعل له اسما ليميزه به من غيره» .

وبعد كل هذه المناقشة والجدل يعود القاضي ليؤكد الربط بين المحكم والمتشابه من جهة، وبين أنواع الخطاب ودلالته من جهة أخرى «إن المحكم إنما وصف بذلك لأن محكما أحكمه، كما أن المكرم إنما وصف بذلك لأن مكرما أكرمه، وهذا بيّن في اللغة. وقد علمنا أنه تعالى لا يوصف بأنه أحكم هذه الآيات المحكمات من حيث تكلم بها فقط، لأن المتشابه كالمحكم في ذلك، وفي سائر ما يرجع إلى جنسه وصفته، فيجب أن يكون المراد بذلك أنه أحكم المراد به بأن جعله على صفة مخصوصة لكونه عليها (له) تأثير في المراد وقد علمنا أن الصفة التي تؤثر في المراد هي أن توقعه على وجه لا يحتمل الا ذلك المراد في أصل اللغة، أو بالتعارف، أو بشواهد العقل. فيجب فيما اختص بهذه الصفة أن يكون محكما، وذلك نحو قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ اللََّهُ الصَّمَدُ} ونحو قوله:

{إِنَّ اللََّهَ لََا يَظْلِمُ النََّاسَ شَيْئًا} إلى ما شاكله. فأمّا المتشابه فهو الذي جعله عز وجل على صفة تشتبه على السامع لكونه عليها (غمض) المراد به من حيث خرج ظاهره عن أن يدل على المراد به لشيء يرجع إلى اللغة أو التعارف، وهذا نحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللََّهَ} إلى ما شاكله لأن ظاهره يقتضي ما علمناه محالا، فالمراد به مشتبه ويحتاج في معرفته إلى الرجوع إلى غيره من المحكمات».

ويورد القاضي عبد الجبار على نفسه اعتراضا مؤدّاه أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وذلك في قوله تعالى {الر كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} ثم وصفه كله بأنه متشابه وذلك في قوله: {اللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتََابًا مُتَشََابِهًا}

ولكنه ببساطة يساعده عليها سياق الآيات كلها يرد الاحكام هنا إلى الاعجاز،

ويرد التشابه إلى التساوي في المصلحة والدلالة «فأمّا وصف جميعه بأنه محكم فليس المراد به ما قدمناه، وإنما أريد به أنه تعالى أحكمه في باب الاعجاز والدلالة على وجه لا يلحقه خلل، ووصف جميعه بأنه متشابه، المراد به أنه سوّى بين الكل في أنه أنزل على وجه المصلحة ودل به على النبوة، لأن الأشياء المتساوية في الصفات المقصود إليها يقال فيها متشابهة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت