فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 269

ويورد القاضي عبد الجبار على نفسه اعتراضا مؤدّاه أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وذلك في قوله تعالى {الر كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} ثم وصفه كله بأنه متشابه وذلك في قوله: {اللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتََابًا مُتَشََابِهًا}

ولكنه ببساطة يساعده عليها سياق الآيات كلها يرد الاحكام هنا إلى الاعجاز،

ويرد التشابه إلى التساوي في المصلحة والدلالة «فأمّا وصف جميعه بأنه محكم فليس المراد به ما قدمناه، وإنما أريد به أنه تعالى أحكمه في باب الاعجاز والدلالة على وجه لا يلحقه خلل، ووصف جميعه بأنه متشابه، المراد به أنه سوّى بين الكل في أنه أنزل على وجه المصلحة ودل به على النبوة، لأن الأشياء المتساوية في الصفات المقصود إليها يقال فيها متشابهة» .

وإذا كان القاضي قد أخضع دلالة القرآن كله لدلالة العقل، بناء على أن اللغة لا تدل إلّا بعد معرفة القائل، فإن المحكم والمتشابه كليهما في حاجة إلى هذه المعرفة العقلية لوقوعهما دلالة. ويرى القاضي «أن المحكم كالمتشابه من وجه، وهو يخالفه من وجه آخر. فأمّا الوجه الذي يتفقان فيه فما قدمناه من أن الاستدلال بهما أجمع لا يمكن إلّا بعد معرفة حكمة الفاعل وأنه لا يجوز أن يختار القبيح، لأن الوجه الذي له قلنا ذلك لا يميز المحكم من المتشابه وأمّا الوجه الذي يختلفان فيه، فهو أن المحكم إذا كان في موضوع اللغة أو لمضامة القرينة، لا يحتمل إلّا الوجه الواحد، فمتى سمعه من عرف طريقة الخطاب وعلم القرائن أمكنه أن يستدل في الحال على ما يدل عليه. وليس كذلك المتشابه، لأنه وإن كان من العلماء باللغة ويحمل القرائن، فإنه يحتاج عند سماعه إلى فكر مبتدأ ونظر مجدد ليحمله على الوجه الذي يطابق المحكم أو دليل العقل. ويبين صحة ذلك أنه عز وجل بين في المحكم أنه أصل للمتشابه، فلا بدّ أن يكون العلم بالمحكم أسبق ليصحّ جعله أصلا له» .

وهكذا يظلّ القاضي عبد الجبار يلحّ على فكرة النظر التي هي والاستدلال شيء واحد، وذلك ليظل مخلصا لتصوره العام للغة على أنها نوع من أنواع الدلالة،. وإذا كان الكلام محتملا لوقوع المجاز فيه، على عكس الأنواع الأخرى من الدلالة، فمن الطبيعي أن ينفي القاضي عن المجاز تهمة الكذب التي سعى خصومهم لالزامهم بها، وذلك لنفي الكذب عن القرآن، وجعل تأويلاتهم قائمة على أساس مكين.

ونفي الكذب عن المتشابه، ليس إلّا دفاعا عن المجاز في اللغة عموما مما يؤكد العلاقة بين القضيتين عند القاضي «اعلم أن المتكلم قد يكون صادقا بالكلام المحتمل، إذا أراد به الوجه الصحيح، ويحل جميع ذلك محل كونه صادقا، بالكلام المخصوص، الذي لا يحتمل، لأن الصدق ليس بمقصور على الحقيقة، دون المجاز، وإنما يكون المتكلم صادقا، بالكلام الذي يجوز أن يتناول المراد باللغة، على وجه إذا قصد به وجه الصدق، فإذا صح ذلك في المتشابه، كصحته في المحكم، ولم

يمتنع أن يكون له معنى، فيجب أن لا يكون قبيحا، لأن من حق الصدق، إذا خرج من أن يكون عبثا، بحصول غرض صحيح فيه، أن يكون حسنا، فإذا كان هذا حال المتشابه، فكيف ينفي وقوعه من الحكيم؟».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت