فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 269

ونفي الكذب عن المتشابه، ليس إلّا دفاعا عن المجاز في اللغة عموما مما يؤكد العلاقة بين القضيتين عند القاضي «اعلم أن المتكلم قد يكون صادقا بالكلام المحتمل، إذا أراد به الوجه الصحيح، ويحل جميع ذلك محل كونه صادقا، بالكلام المخصوص، الذي لا يحتمل، لأن الصدق ليس بمقصور على الحقيقة، دون المجاز، وإنما يكون المتكلم صادقا، بالكلام الذي يجوز أن يتناول المراد باللغة، على وجه إذا قصد به وجه الصدق، فإذا صح ذلك في المتشابه، كصحته في المحكم، ولم

يمتنع أن يكون له معنى، فيجب أن لا يكون قبيحا، لأن من حق الصدق، إذا خرج من أن يكون عبثا، بحصول غرض صحيح فيه، أن يكون حسنا، فإذا كان هذا حال المتشابه، فكيف ينفي وقوعه من الحكيم؟».

وإذا كان المحكم يدل بظاهره على ما يدل عليه العقل، فالحاجة إليه تصبح ضرورية وهامة لمجادلة الخصوم الذين يتمسكون بظاهر المتشابه، وذلك إلى جانب ضرورته لاثارة التأمل والحث على النظر والاستدلال. «إن المخالفين في التوحيد والعدل يمكن أن نحاجهم بذكر المحكم ونبين مخالفتهم لما أقروا بصحته في الجملة، ويبعد ذلك في المتشابه، فلذلك تجد كتب شيوخنا رحمهم الله مشحونة بذكر هذا الباب ليبينوا أن القوم كما خرجوا عن طريقة العقول فكذلك عن الكتاب» .

وهكذا يتحوّل القرآن بمحكمه ومتشابهه، وكذلك المجاز، إلى قرائن وأدلّة عقلية غايتها الحث على التأمل والنظر ومجادلة الخصوم وكشف تهافت حججه وأقاويله. ومن الطبيعي بعد ذلك أن يكون المتشابه مما يمكن معرفته، لأنه لا بدّ أن يقع دلالة وإلّا كان الله عابثا بمخاطبتنا به. ومن الطبيعي أيضا أن يكون التوجيه النحوي للآية عند القاضي على العطف لا على الاستئناف، ويكون الراسخون في العلم يعلمون المتشابه وهم «مع العلم بذلك يقولون آمنا به في أحوال علمهم به ليكمل مدحهم، لأن العالم بالشيء إذا أظهر التصديق فقد بالغ بما يلزمه، ولو علم وجحد لكان مذموما» .

وبذلك كله يكون القاضي عبد الجبار قد ربط بين المجاز والتأويل والمحكم والمتشابه. وربط كل هذه القضايا بالأساس العقلي للمعرفة عند المعتزلة. ويصبح هناك نوع من الموازاة بين المحكم والمتشابه من جهة، والمعرفة الضرورية والمعرفة النظرية من جهة أخرى. يتشابه المحكم مع المعرفة الضرورية بوضوحه وانكشافه دون حاجة للاستدلال. وعلى العكس من ذلك المتشابه الذي لا يعرف المراد به إلّا بالتأمل والتأويل، تماما كما لا يمكن التوصل إلى العلوم النظرية إلّا بالاستدلال والنظر. وكما أن العلوم الضرورية تعدّ أساسا للعلوم النظرية، فكذلك المحكم يعدّ أساسا لفهم المتشابه. ونتيجة لذلك كله يصبح التأويل قرينا للاستدلال ومرادفا له بنفس القدر الذي أصبحت فيه اللغة نوعا ثالثا من الدلالة العقلية لها شروطها الخاصة لوقوعها دلالة.

ومن الضروري لاكتمال جوانب دراستنا أن نعرض لبعض جهود القاضي عبد الجبار في التأويل. ولمّا كانت جهود المعتزلة في التأويل تنصبّ أساسا

على آيات التوحيد والعدل بكل تفاصيلهما، ولمّا كنا قد عرضنا لكثير من هذه الآيات في الفصول السابقة، فقد رأينا أن نقتصر في عرض جهود القاضي على قضيتين أساسيتين هما: قضية رؤية الله عز وجل، وقضية خلق الأفعال. ومبرر اختيار هاتين القضيتين، أن أولاهما تعدّ إلى جانب قضية الكلام من أهم القضايا الخلافية بين المعتزلة وخصومهم، وتظهر فيها بوضوح كامل مشكلة التأويل لورود بعض آيات القرآن باثباتها، وذلك على عكس قضية الكلام التي تعدّ قضية جدلية أكثر منها قضية متصلة بتأويل النص القرآني، أمّا قضية خلق الافعال فترجع أهميتها إلى أنها أساس نشأة الفكر الاعتزالي برمته كما سبقت الاشارة في التمهيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت