فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 269

ويروي الطبري رواية أخرى عن ابن عباس يعرّف بها المحكم بأنه «ناسخه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به» أمّا المتشابهات فهي «منسوخه، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به» وتؤكّد هذه الرواية رواية أخرى يشير فيها ابن عباس إلى آيات الأحكام في سورة الأنعام على أساس أنها هي الآيات المحكمة وهي «الثلاث الآيات من هاهنا: قُلْ تَعََالَوْا

أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى ثلاث آيات والتي في «بني اسرائيل» : {وَقَضى ََ رَبُّكَ أَلََّا تَعْبُدُوا إِلََّا إِيََّاهُ} إلى آخر الآيات» ومعنى ذلك أن المحكم عند ابن عباس هو الآيات التي يؤمن بها ويعمل بها، وهي آيات الأحكام التي تحدد الحلال والحرام، أو بمعنى آخر هي آيات التشريع العملي. أمّا المتشابهات فهي تلك الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها، أو هي التي لا تتصل بالتشريع، سواء أكانت منسوخة عن حكمها وبقيت في رسم المصحف للتلاوة فقط، أو كانت من غير آيات الأحكام أصلا. ويدخل ابن عباس في المتشابهات المقدم والمؤخر، والأمثال والقسم وكلها ظواهر أسلوبية ستدخل في المجاز عند أبي عبيدة وعند الفراء وعند الجاحظ وابن قتيبة. وسيصبح المجاز كله وسيلة للتأويل عند القاضي عبد الجبار كما سنرى بعد ذلك.

وإذا كان ابن عباس قد فرّق هذه التفرقة بين المحكم والمتشابه فمن الطبيعي أن يقول عن نفسه بعد ذلك «أنا ممن يعلم تأويله» . وفي هذا الاطار يمكن أن نفهم ما قاله عن الخوارج حين سئل عنهم «وما يلفون عند القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه» بمعنى أنهم يقيمون أحكامه وحدوده وفرائضه، ولكنهم لا يعرفون منسوخه ولا تأويله.

ويختلف مجاهد تلميذ ابن عباس وراوي تفسيره عن أستاذه في تعريف المتشابه، وإن اتفق معه في تعريف المحكم، فالمحكم عنده كما هو عند ابن عباس «ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو «متشابه» يصدق بعضه بعضا، وهو مثل قوله {وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ} ومثل قوله: {كَذََلِكَ يَجْعَلُ اللََّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ،} ومثل قوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً وَآتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ»} . وتحتاج هذه الآيات التي استشهد بها مجاهد وقفة حتى نستطيع أن نفهم دلالة هذا الاستشهاد. واللافت للنظر أن هذه الآيات الثلاث جميعا يعدّها المعتزلة من المتشابه وقد تعرّض لها القاضي عبد الجبار في كتابيه «متشابه القرآن» و «تنزيه القرآن عن المطاعن» . وهذه الآيات يوهم ظاهرها أن الله هو الذي يضلّ الفاسقين ويجعل الرجس ويهدي المهتدي. ومعنى ذلك أن تعريف مجاهد للمتشابهات بهذا الاستشهاد يدخلنا إلى جو التأويل الاعتزالي للمتشابهات. وليس الأمر غريبا على أي حال فمجاهد (ت 104هـ) كان معاصرا للحسن البصري (ت 110هـ) صاحب رسالة في القدر أشرنا إليها سالفا.

ويستشهد الحسن البصري في هذه الرسالة بآيتين من الآيات الثلاث التي استشهد بها مجاهد وذلك حيث يقول: «وذلك أن الله تعالى جعل فيهم من القدرة ما

يتقدمون بها ويتأخرون، وابتلاهم لينظر كيف يعملون، وليبلو أخبارهم فلو كان الأمر كما يذهب إليه المخطئون لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخروا، ولما كان لمتقدم أجر فيما عمل ولا متأخر لوم فيما لم يعمل، لأن ذلك بزعمهم ليس منهم ولا إليهم ولكنه من عمل ربهم. واذن لما قال: {وَيُضِلُّ اللََّهُ الظََّالِمِينَ،} {وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولََئِكَ هُمُ الْخََاسِرُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت