وتبدو هذه الرواية أقرب إلى معنى الآية وإلى سياقها، فالتعبير القرآني في وصف عيسى بأنه {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} (آل عمران / 45) كان كفيلا بأن يتخذه النصارى دليلا لهم من وجهة نظرهم يحاجون به النبي، ومن ثم نزلت هذه الآية تقرّعهم على تمسكهم بما يحتمل التأويل. ثم نزلت الآية الأخرى {إِنَّ مَثَلَ عِيسى ََ عِنْدَ اللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} (آل عمران / 59) لتفسر لهم ما تشابه عليهم بلفظ واضح صريح لا يحتمل اللبس أو التأويل، ولتردهم بمحكم القرآن إلى جادة الحق والصواب. وسيتعرّض المعتزلة فيما بعد خصوصا القاضي عبد الجبار لتأويل هذه الآيات التي وردت في المسيح وردها إلى المجاز اعتمادا على هذه الآية الأخيرة. ويؤكد ما نذهب إليه من اعتبار هذه الحادثة سببا لنزول آية المحكم والمتشابه أن الآيات الثلاث كلها في
سورة آل عمران وهي مدنية باتفاق. وعلى هذا يتفق سبب النزول مع السياق ومع وجود الرسول بالمدينة، وبداية الحوار والجدل مع أهل الكتاب من النصارى واليهود على السواء.
وإذا كانت الآية قد نزلت في مناسبة الحوار والجدل الذي أثاره النصارى في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم متأولين لبعض العبارات المجازية في القرآن تأويلا يريدون به أن يظهروا موافقة الرسول لهم في معتقدهم، فإن المفسرين قد رفعوها سلاحا في وجه «كل مبتدع في دينه بدعة مخالفة لما ابتعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، بتأويل يتأوله من بعض آي القرآن المحتملة التأويلات» كما يقول قتادة (ت 117هـ) الذي يروي عنه الطبري أيضا أنه كان يقول حين يقرأ الآية «إن لم يكونوا الحرورية والسبائية فلا أدري من هم» . ومعنى ذلك كله أن الآية صارت تفسّر على يد قتادة وابن عباس قبله كما أشرنا لمواجهة الجدل الديني للخوارج، والسبائية، واتهامهم بأنهم أصحاب الزيغ الذين يتبعون المتشابه.
ولعله من المفيد ما دامت قضية المحكم والمتشابه والتأويل قد ارتبطت بالنزاع السياسي ان نستعرض خلاف المفسرين حول أمرين يتصلان بهذه القضية: الأمر الأول الخلاف حول تعريف المحكم والمتشابه، الأمر الثاني الخلاف حول امكانية معرفة معنى المتشابه بما يترتب عليه من اعراب قوله تعالى {وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ} وهل تعطف على ما قبلها، أم تقطع عمّا قبلها وتعتبر جملة مستأنفة؟ وذلك لما لهذا الخلاف من أهمية إذ ستتحول هذه القضية على يد المعتزلة إلى قانون عام يحكم من وجهة نظرهم مشكلة التأويل.
لا حاجة بنا لرواية ابن عباس عن جابر بن رئاب التي تعرّضنا لها منذ قليل لضعفها من جهة، ولأنها تعرّف المتشابه بناء على ما اعتبرته سببا للنزول بأنه الحروف المقطعة في أوائل السور من جهة أخرى. ومن المنطقي أن تنفي هذه الرواية امكانية معرفة المتشابه، لأن مدة حكم محمد وأمته مما استأثر الله بعلمه، ولا طريق للعلم به، وبذلك يكون قوله {وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ}
مقطوعا عمّا قبله، وكلاما مستأنفا.
ويروي الطبري رواية أخرى عن ابن عباس يعرّف بها المحكم بأنه «ناسخه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به» أمّا المتشابهات فهي «منسوخه، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به» وتؤكّد هذه الرواية رواية أخرى يشير فيها ابن عباس إلى آيات الأحكام في سورة الأنعام على أساس أنها هي الآيات المحكمة وهي «الثلاث الآيات من هاهنا: قُلْ تَعََالَوْا
أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى ثلاث آيات والتي في «بني اسرائيل» : {وَقَضى ََ رَبُّكَ أَلََّا تَعْبُدُوا إِلََّا إِيََّاهُ} إلى آخر الآيات» ومعنى ذلك أن المحكم عند ابن عباس هو الآيات التي يؤمن بها ويعمل بها، وهي آيات الأحكام التي تحدد الحلال والحرام، أو بمعنى آخر هي آيات التشريع العملي. أمّا المتشابهات فهي تلك الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها، أو هي التي لا تتصل بالتشريع، سواء أكانت منسوخة عن حكمها وبقيت في رسم المصحف للتلاوة فقط، أو كانت من غير آيات الأحكام أصلا. ويدخل ابن عباس في المتشابهات المقدم والمؤخر، والأمثال والقسم وكلها ظواهر أسلوبية ستدخل في المجاز عند أبي عبيدة وعند الفراء وعند الجاحظ وابن قتيبة. وسيصبح المجاز كله وسيلة للتأويل عند القاضي عبد الجبار كما سنرى بعد ذلك.