يؤكّد ذلك أن الحسن يجعل الآية كلها رحمة من الله للعباد، وترغيبا لا ايئاس وقطع رجاء. ولا يخرج الزمخشري في تفسيره للآية عن هذا التفسير الذي يقوله الحسن، غير أنه يستخدم مصطلحات الفكر الاعتزالي الناضج. يقول: {فَمَنْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف «يشرح صدره للاسلام» يلطف به حتى يرغب في الاسلام وتسكن إليه نفسه ويجب
الدخول فيه {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} أن يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسدّ فلا يدخله الايمان».
وهكذا تفسر الآية كلها بفكرة «اللطف» الالهية. والرسالة في النهاية تؤكد ما سبق أن أشرنا اليه في الفصل الأول من أن قضية العدل كانت هي القضية الأساسية، ولب نشأة الفكر الاعتزالي. وهي من ناحية أخرى تفرّق بين ما هو دليل بظاهره، وما يحتاج للتأويل من الآيات. ولكن الحسن لم يستخدم مصطلحات «المحكم والمتشابه» أو «التأويل» أو «المجاز» ولم يكن ذلك متوقعا في ذلك العصر على أي حال.
وإذا كان الفكر الاعتزالي لم يصلنا منه في هذه الفترة الباكرة سوى رسالة الحسن الصغيرة، فقد وصلنا من نقيض الفكر الاعتزالي المجسمة أو المشبهة كتاب كامل هو «الأشباه والنظائر في القرآن الكريم» لمقاتل بن سليمان. وإذا كنا في الفصل السابق قد تعرّضنا لهذا الكتاب من زاوية دلالته على الاحساس بوجود وجوه من المعاني للفظ الواحد في السياقات المختلفة وأشرنا إلى أنها فكرة تعدّ مقدمة طبيعية للمجاز، فإننا في هذا الفصل نودّ أن ننظر للكتاب من زاوية أخرى، هي زاوية علاقته بمبحث المحكم والمتشابه وقضية التأويل. والزاويتان ليستا منفصلتين على أي حال، فهما على الأقل عند المعتزلة وجهان لعملة واحدة هي ضرورة اتفاق الشرع والعقل ورفع التناقض بينهما. والسؤال الآن حول علاقة «المحكم والمتشابه» و «الأشباه والنظائر» هل يشيران إلى مدلول واحد؟.
يشير المؤرخون لمقاتل إلى أسماء مصنفات له مثل «متشابه القرآن» و «الآيات المتشابهات» يرجح محقق «الأشباه والنظائر» أن يكون الكتاب الذي حققه هو «الآيات المتشابهات» ، فيكون الكتاب واحدا واسمه متعدد» وأغلب الظن أن هذه الكتب إن صحّت نسبتها إلى مقاتل لم تعن بالمتشابهات بالمعنى الاصطلاحي عند المعتزلة، بل هي أقرب إلى أن تكون في الرد على شك الشاكين في القرآن والطاعنين عليه، والزاعمين وجود التناقض فيه. وبذلك يكون معنى «المتشابه» أقرب للدلالة اللغوية، بمعنى المشكل، ولا يبعد حينئذ أن يكون «الأشباه والنظائر» أحد هذه الكتب التي عنت بالمتشابه في هذه المرحلة. يؤكد ما نذهب إليه أن مقاتلا حين يتعرّض لآية المحكم والمتشابه (آل عمران / 7) في سياق عرضه لوجوه كلمة «تأويل» في القرآن يردد رواية ابن عباس التي ترى أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور، ويكون معنى التأويل هو «المتأول» وتنتفي امكانية
معرفة المتشابه على هذا التفسير. ومقاتل يضع هذا التفسير في الوجه الأول لكلمة «تأويل» . يقول: «تأويله: يعني منتهى كم يملك محمد وأمته، فذلك قوله في آل عمران: {ابْتِغََاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ} يعني منتهى كم يملك محمد وأمته، وذلك أن اليهود أرادوا أن يعلموا من قبل حساب الجمل كم يملك محمد وأمته ثم ينقضي ملكه ويرجع الملك إلى اليهود، قال الله {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ} يعني وما يعلم تأويل كم يملك محمد وأمته إلّا الله، لا يعلم ذلك إلّا الله بأنهم يملكون إلى يوم القيامة ولا يرجع الملك إلى اليهود» وهذا التفسير ينفي وعي مقاتل بالمعنى الاصطلاحي للمحكم والمتشابه، وإن كان لا ينفي وعيه بمصطلح التأويل الذي يحدد وجوهه الأخرى في القرآن.