يشير المؤرخون لمقاتل إلى أسماء مصنفات له مثل «متشابه القرآن» و «الآيات المتشابهات» يرجح محقق «الأشباه والنظائر» أن يكون الكتاب الذي حققه هو «الآيات المتشابهات» ، فيكون الكتاب واحدا واسمه متعدد» وأغلب الظن أن هذه الكتب إن صحّت نسبتها إلى مقاتل لم تعن بالمتشابهات بالمعنى الاصطلاحي عند المعتزلة، بل هي أقرب إلى أن تكون في الرد على شك الشاكين في القرآن والطاعنين عليه، والزاعمين وجود التناقض فيه. وبذلك يكون معنى «المتشابه» أقرب للدلالة اللغوية، بمعنى المشكل، ولا يبعد حينئذ أن يكون «الأشباه والنظائر» أحد هذه الكتب التي عنت بالمتشابه في هذه المرحلة. يؤكد ما نذهب إليه أن مقاتلا حين يتعرّض لآية المحكم والمتشابه (آل عمران / 7) في سياق عرضه لوجوه كلمة «تأويل» في القرآن يردد رواية ابن عباس التي ترى أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور، ويكون معنى التأويل هو «المتأول» وتنتفي امكانية
معرفة المتشابه على هذا التفسير. ومقاتل يضع هذا التفسير في الوجه الأول لكلمة «تأويل» . يقول: «تأويله: يعني منتهى كم يملك محمد وأمته، فذلك قوله في آل عمران: {ابْتِغََاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ} يعني منتهى كم يملك محمد وأمته، وذلك أن اليهود أرادوا أن يعلموا من قبل حساب الجمل كم يملك محمد وأمته ثم ينقضي ملكه ويرجع الملك إلى اليهود، قال الله {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ} يعني وما يعلم تأويل كم يملك محمد وأمته إلّا الله، لا يعلم ذلك إلّا الله بأنهم يملكون إلى يوم القيامة ولا يرجع الملك إلى اليهود» وهذا التفسير ينفي وعي مقاتل بالمعنى الاصطلاحي للمحكم والمتشابه، وإن كان لا ينفي وعيه بمصطلح التأويل الذي يحدد وجوهه الأخرى في القرآن.
أمّا الوجه الثاني لكتاب مقاتل والذي يهمنا الحديث عنه لاتصاله المباشر بموضوع الدراسة فهو ما أثير عنه من القول بالتجسيد والارجاء وهما فكرتان تصدّى المعتزلة لابطالهما بكافة الوسائل ابتداء بالتدليل العقلي وانتهاء بتأويل النصوص التي يوهم ظاهرها التجسيد أو الارجاء. وإذا كان الأشاعرة وهم تلاميذ المعتزلة لم يختلفوا مع المعتزلة فيما ذهبوا إليه من التنزيه وتأويل النصوص التي توهم مشابهة الله لخلقه، وهم بذلك لا يعدّون خصوما للمعتزلة في قضية التوحيد، باستثناء خلافهم حول رؤية الله عز وجل. إذا كان الأشاعرة كذلك، فإن المجسّدة والظاهرية يعدّون خصوصا للمعتزلة في هذا الجانب. ومن هنا تنبع أهمية الوقفة مع آيات الصفات لنرى كيف يفسّرها مقاتل.
يتعرّض مقاتل لكلمة «يد» ووجوهها المختلفة في القرآن، ويرى أنها على ثلاثة وجوه «فوجه منها: اليد يعينها، فذلك قوله في «ص» لابليس {مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} يعني بيدي الرحمن تبارك وتعالى، خلق آدم بيده التي بها قبض السموات والأرض، يعني اليد بعينها وقال في المائدة: {بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ}
يعني اليد بعينها وقال لموسى عليه السلام: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذََا هِيَ بَيْضََاءُ لِلنََّاظِرِينَ}
يعني اليد بعينها» واشارته إلى أن «اليد» المقصود بها «اليد بعينها» معناه أنه يفسّر اليد تفسيرا حرفيا بمعناها الأصلي وهو الجارحة المعروفة. ثم وضعه للآية التي يتحدث القرآن فيها عن يد موسى في وجه واحد مع الآيات التي تتحدث عن يد الله يؤكد النزعة الحسية ولا أقول التجسيدية للتفسير عند مقاتل.
وحين يتعرّض مقاتل لليد في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {وَقََالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللََّهِ مَغْلُولَةٌ} يعتبر ذلك مثلا ويضع الآية في الوجه الثاني «فهو مثل ضربه لليد في أمر النفقة فذلك قوله في بني اسرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلََا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً
إِلى ََ عُنُقِكَ يقول لا تمسك يدك من النفقة بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه فلا يستطيع بسطها، وكقوله في المائدة {وَقََالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} قالوا أمسك الله يده عن النفقة علينا فلا يوسع في الرزق، كما فعل لهم في زمان بني اسرائيل فهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى». وهنا لا يجد مقاتل لليد معنى سوى أنها مثل، وبذلك يلتقي التأويل والمصطلح البلاغي. وواضح أن كلمة «مثل» لا تشير إلى اليد وحدها، بقدر ما تشير إلى الصورة الكلية، صورة اليد المغلولة إلى العنق تعبيرا حسيا عن الامساك في النفقة.