فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 269

وحين يتعرّض مقاتل لليد في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {وَقََالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللََّهِ مَغْلُولَةٌ} يعتبر ذلك مثلا ويضع الآية في الوجه الثاني «فهو مثل ضربه لليد في أمر النفقة فذلك قوله في بني اسرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلََا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً

إِلى ََ عُنُقِكَ يقول لا تمسك يدك من النفقة بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه فلا يستطيع بسطها، وكقوله في المائدة {وَقََالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} قالوا أمسك الله يده عن النفقة علينا فلا يوسع في الرزق، كما فعل لهم في زمان بني اسرائيل فهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى». وهنا لا يجد مقاتل لليد معنى سوى أنها مثل، وبذلك يلتقي التأويل والمصطلح البلاغي. وواضح أن كلمة «مثل» لا تشير إلى اليد وحدها، بقدر ما تشير إلى الصورة الكلية، صورة اليد المغلولة إلى العنق تعبيرا حسيا عن الامساك في النفقة.

وفي مادة «فوق» يضع مقاتل قوله تعالى {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} في الوجه الثاني من وجوه «فوق» يعني أفضل، فذلك قوله في الفتح {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}

يقول فعل الله بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية» وهو هنا في تفسيره العام للآية يفسر «اليد» بأنها «الفعل» ويؤكد ذلك بوضع هذه الآية نفسها في الوجه الثالث من وجوه «اليد» «والوجه الثالث: يد: يعني فعل. فذلك قوله في يس: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنََّا خَلَقْنََا لَهُمْ مِمََّا عَمِلَتْ أَيْدِينََا أَنْعََامًا،} وقال في الفتح:

{يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يعني فعل الله بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية. وقال في يس: {وَمََا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} يعني لم يكن ذلك من فعلهم. وقال في الحج: {ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ} يعني بفعلك» وإذا كان هذا المعنى ينطبق على العبارات «عملت أيدينا» و «قدمت يداك» و «عملته أيديهم» لوجود الفعل «عمل» في اثنتين منهما والفعل «قدم» في ثالثتهما، فإنه لا يمكن أن ينطبق على قوله تعالى {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} لا بتركيبها ولا في سياقها ومناسبة نزولها. فلم يكن الله عز وجل في معرض المنّ على المبايعين، بل كان في معرض الثناء عليهم {إِنَّ الَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اللََّهَ يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى ََ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى ََ بِمََا عََاهَدَ عَلَيْهُ اللََّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.} ولقد أدرك الزمخشري سياق الآية وطبيعتها التصويرية حين فسّر الآية «على طريق التخييل فقال {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله تعالى منزّه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اللََّهَ} واستخدام الزمخشري لكلمة «تخييل» يثير حساسية مفسّر كابن المنير السني وإن كان لا يعترض على التأويل، ولكنه يفضل على «التخييل» كلمة «مثل» بقوله: «كلام حسن بعد اسقاط لفظ التخييل وابداله بالتمثيل» ولا يمكن تفسير حساسية ابن المنير إزاء لفظ «التخييل» إلّا بما سبق أن اسلفناه من أن استخدام لفظ «مثل» في القرآن أعطاه شرعية لدى المفسرين عموما لم يتمتع بها أي

مصطلح بلاغي آخر، هذا إلى «جانب السمعة السيئة التي اكتسبتها كلمة تخييل» في تاريخ النقد العربي عامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت