فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 269

{يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يعني فعل الله بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية. وقال في يس: {وَمََا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} يعني لم يكن ذلك من فعلهم. وقال في الحج: {ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ} يعني بفعلك» وإذا كان هذا المعنى ينطبق على العبارات «عملت أيدينا» و «قدمت يداك» و «عملته أيديهم» لوجود الفعل «عمل» في اثنتين منهما والفعل «قدم» في ثالثتهما، فإنه لا يمكن أن ينطبق على قوله تعالى {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} لا بتركيبها ولا في سياقها ومناسبة نزولها. فلم يكن الله عز وجل في معرض المنّ على المبايعين، بل كان في معرض الثناء عليهم {إِنَّ الَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اللََّهَ يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى ََ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى ََ بِمََا عََاهَدَ عَلَيْهُ اللََّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.} ولقد أدرك الزمخشري سياق الآية وطبيعتها التصويرية حين فسّر الآية «على طريق التخييل فقال {يَدُ اللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله تعالى منزّه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اللََّهَ} واستخدام الزمخشري لكلمة «تخييل» يثير حساسية مفسّر كابن المنير السني وإن كان لا يعترض على التأويل، ولكنه يفضل على «التخييل» كلمة «مثل» بقوله: «كلام حسن بعد اسقاط لفظ التخييل وابداله بالتمثيل» ولا يمكن تفسير حساسية ابن المنير إزاء لفظ «التخييل» إلّا بما سبق أن اسلفناه من أن استخدام لفظ «مثل» في القرآن أعطاه شرعية لدى المفسرين عموما لم يتمتع بها أي

مصطلح بلاغي آخر، هذا إلى «جانب السمعة السيئة التي اكتسبتها كلمة تخييل» في تاريخ النقد العربي عامة.

ومما يتصل بقضية التوحيد نفي المكان عن الله، ويبدو مقاتل في هذه الناحية أقرب للتأويل وأبعد عن التجسيد أو التشبيه، ففي الوجه التاسع من وجوه «فوق» يقول: «فوق يعني في السلطان والقهر، فذلك قوله في الأنعام: {وَهُوَ الْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ} يعني سلطانه فوق سلطان العباد وملكه وأمره. وحكى في الأعراف قول فرعون: {سَنُقَتِّلُ أَبْنََاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسََاءَهُمْ وَإِنََّا فَوْقَهُمْ قََاهِرُونَ} يعني سلطاني وأمري فوق سلطانهم، قاهرهم بذلك بالسلطان والملك» ، وهذا التأويل للفوقية لا يختلف عن تأويل الزمخشري، بل يكاد الزمخشري يردد نفس ألفاظ مقاتل ويستشهد بنفس الآية: «يقول: {فَوْقَ عِبََادِهِ} تصوير للقهر والعلو بالغلبة والقدرة كقوله وإنّا فوقهم قاهرون» والزمخشري هنا يستخدم كلمة «تصوير» كما استخدم في الآية السابقة كلمة «تخييل» وغني عن البيان صلة كلتا الكلمتين بالمجاز بمعناه العام الشامل.

وإذا كان المعتزلة ينفون نفيا قاطعا امكانية رؤية الله عز وجل، على أساس أن الرؤية لا تجوز إلّا على الأجسام المتحيزة في المكان والقائمة في جهة، وبذلك يذهبون إلى نفي الرؤية في الدنيا والآخرة على السواء، فإن مقاتل يذهب إلى جواز الرؤية والنظر إلى وجه الله. ويذهب إلى أن الرؤية لا تجوز في الدنيا، وأنها لا تحدث إلا في الآخرة. ولا يعرض مقاتل لهذه القضية بشكل مباشر، بل يتعرّض لها في ثنايا حديثه عن وجوه لألفاظ بعيدة بمادتها عن قضية الرؤية. ففي معنى أو وجوه كلمة «الحسنى» يرى أنها في الوجه الأول تعني الجنة «فذلك قوله في يونس:

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ََ} يعني الذين وجدوا لهم الحسنى يعني الجنة (وزيادة) يعني النظر إلى وجه الله». ويعود لنفس القضية في مادة «أول» . يقول: «والوجه الثالث: أول يعني أول المؤمنين بأن الله لا يرى في الدنيا. فذلك قوله في الأعراف:

{قََالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قََالَ لَنْ تَرََانِي وَلََكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى ََ صَعِقًا، فَلَمََّا أَفََاقَ قََالَ سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} يقول أنا أول المصدّقين بأنك لن ترى في الدنيا» وجدير بالذكر أن الآية الأولى «الحسنى» سيسهل على المعتزلة رفض تأويلها على هذا المعنى الذي ذهب إليه مقاتل، بينما سيضطربون في الآية الثانية اضطرابا شديدا كما سنعرض له في مكانه.

يتعرّض مقاتل في مادة «العلم» لعلم الله ويؤوله على ثلاثة وجوه «فوجه

منها: يعلم: يعني يرى فذلك قوله في سورة محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ الْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ} يعني حتى نرى المجاهدين منكم وقد علم الله من يجاهد منهم قبل أن يجاهد ولكنه يعني نرى، ومن لم يجاهد فإن الله لم ير جهاده حتى يجاهد، وقد علم أنه سيفعل وقال في آل عمران: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمََّا يَعْلَمِ اللََّهُ الَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصََّابِرِينَ} عند البلاء يرى صبرهم، وقال في براءة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمََّا يَعْلَمِ اللََّهُ} يعني ولم ير الله {الَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ} ونحوه كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت