فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 269

يتعرّض مقاتل في مادة «العلم» لعلم الله ويؤوله على ثلاثة وجوه «فوجه

منها: يعلم: يعني يرى فذلك قوله في سورة محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ الْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ} يعني حتى نرى المجاهدين منكم وقد علم الله من يجاهد منهم قبل أن يجاهد ولكنه يعني نرى، ومن لم يجاهد فإن الله لم ير جهاده حتى يجاهد، وقد علم أنه سيفعل وقال في آل عمران: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمََّا يَعْلَمِ اللََّهُ الَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصََّابِرِينَ} عند البلاء يرى صبرهم، وقال في براءة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمََّا يَعْلَمِ اللََّهُ} يعني ولم ير الله {الَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ} ونحوه كثير.

والوجه الثاني: العلم بعينه، فذلك قوله: {يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ وَمََا يُعْلِنُونَ}

و {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مََا تَكْتُمُونَ} فهذا العلم بعينه يعلم ما كان قبل الخلق وما يكون.

والوجه الثالث: علم: إذن: فذلك قوله في هود: فقل {أَنَّمََا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللََّهِ}

يعني باذن (الله) وفي كل هذه الوجوه يحاول مقاتل أن ينفي أولا حدوث علم الله، ثانيا أن لله علما غير ذاته. وهو في محاولته لنفي حدوث علم الله، يفرق بين العلم والرؤية، وإذا كانت رأى بمعنى علم جائزة في اللغة، فإن علم بمعنى رأى تظل محاولة تأويلية من مقاتل لا سند لها من اللغة. والمشكلة سيعرض لها أبو عبيدة والفراء والمعتزلة جميعا بعد ذلك ولهم فيها تأويل يقترب إلى حد كبير من روح النص القرآني. أمّا تأويل العلم في الوجه الثالث بأنه الاذن فهو تأويل يمكن أن يكون سائغا.

وبنفس الطريقة التي ينفي بها مقاتل حدوث علم الله، يحاول أن ينفي عن الله صفة النسيان الواردة في القرآن الكريم وذلك على أساس أن النسيان صفة من صفات النقص التي تلحق بالبشر، ولذلك يجعل الوجه الأول من وجهي «النسيان» هو الترك «فذلك قوله في طه: {وَلَقَدْ عَهِدْنََا إِلى ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} فترك العهد، كقوله في تنزيل السجدة: {فَذُوقُوا بِمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا} يقول بما تركتم الايمان بلقاء يومكم هذا {إِنََّا نَسِينََاكُمْ} يقول: إنا تركناكم في العذاب، وقال في البقرة: {وَلََا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} يقول لا تتركوا الفضل بينكم، وقال أيضا {مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا} يعني أو نتركها فلا ننسخها» وواضح أن مقاتلا يقرأ الآية الاخيرة على فتح النون لا على ضمها كما هي القراءة المشهورة، لكن الآية لا تثير اشكالا على أي حال ما دام معنى النسيان هو الترك. غير أن تفسير مقاتل للنسيان في الآيات الأخرى بأنه الترك يوحي بأنه يعتقد أن «النسيان» بمعنى «الترك» حقيقي لا مجازي وذلك قد ينفي عن تفسيره للنسيان في حق الله صفة التأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت