وكل ما قدمناه من تفسير مقاتل لآيات الصفات يكاد يقترب به من ظاهرية أهل السنة ويبتعد به عن المجسدة والمشبهة بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة. وبذلك نكاد نتفق مع محقق الكتاب فيما قال بعد أن استعرض ما قاله مؤرخو الفرق عن مقاتل «والظاهرة الجديرة بالملاحظة أن تفسير مقاتل، وكتبه الباقية للآن، قد خلت خلوّا تاما من القول باللحم والدم المنسوب إليه في كتاب النحل، فإمّا أن يكون مقاتل قال ذلك في صدر حياته ثم عدل عنه، أو يكون خصومه تقولوه عليه، أو يكون القائل باللحم والدم مقاتل بن سليمان آخر، غير مقاتل بن سليمان المفسّر، كما ذكر ذلك السكسكي في برهانه، أو يكون رواة تفسير مقاتل هذبوه وحذفوا منه القول باللحم والدم، أو يكون مقاتل قال ذلك في علم الكلام، أو عند جداله مع جهم في الصفات ولم يقله في مؤلفاته» .
أمّا ما ينسب لمقاتل من القول بالارجاء فمحقق الكتاب لا ينفيه عنه، وإن كان يعتبره من مرجئة السنة لا من مرجئة البدعة «وإذا قرأنا تفسير مقاتل أدركنا أنه ليس من مرجئة البدعة الذين يقولون لا تضرّ مع الايمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة، وفي تفسيره لبعض الآيات نشم رائحة الارجاء عند مقاتل، ولكن ليس ارجاء البدعة، بل هو ارجاء السنة أو أقرب الأشياء إلى ارجاء السنة» وإذا كان المعتزلة لا يفصلون في الايمان بين التصديق والعمل، ويعتبرون الايمان محصلة نهائية لامتزاجهما، ولا يعدّ التصديق ايمانا حتى يقارنه العمل، وهذه قضية خلافية بينهم وبين المرجئة بصفة خاصة، فإن مقاتل يذهب إلى أن الايمان هو التصديق.
ففي مادة «ايمان» يحدد لها أربعة وجوه كلها تدور حول معنى التصديق «فوجه منها:
الايمان الإقرار باللسان من غير تصديق الوجه الثاني: الايمان: يعني التصديق في السر والعلانية والوجه الثالث: الايمان يعني التوحيد الوجه الرابع:
الايمان: يعني ايمانا في شرك» وهي كلها وجوه تفصل بين الايمان والعمل.
ويؤكّد موقف مقاتل الارجائي رأيه في مرتكب الكبيرة، حيث يرى أنه لن يخلد في النار، بل لا بدّ من خروجه منها، ودخوله الجنة في نهاية المطاف. يقول في الوجه السابع من وجوه «ما» «ما يعني كما كقوله في هود: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النََّارِ لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ السَّمََاوََاتُ وَالْأَرْضُ} أي لأهل النار، ما داموا فيها أحياء، فأهل النار لا يموتون فيها أبدا والنار لا تنقطع عنهم أبدا إلّا ما شاء ربك لأهل التوحيد الذين أدخلوا النار فلا يدومون في النار معهم ولكن يخرجون إلى الجنة» ويتضح خلاف المرجئة والمعتزلة في تأويل الآية من قول القاضي عبد الجبار «وجوابنا أن للنار سماء وأرضا وكذلك الجنة ولا يفنيان فهذا هو المراد. وقد قيل إن المراد بذلك تبعيد خروجهم فعلقه تعالى بما يبعد في العقول
زواله على مذهب العرب في مثل قول الشاعر: