فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 269

وكان من الطبيعي أن يكون هذا الرأي عرضة لهجوم الطرفين المعتزلة وأهل السنة وغرضا لسخريتهما. فالقاسم الرسى يقول: «وقد أنكرت الحشوية من أهل القبلة رد المتشابه إلى المحكم، وزعموا أن الكتاب لا يحكم بعضه على بعض.

وأن كل آية منه ثابتة واجب حكمها بوجوه تنزيلها وتأويلها، ولذلك ما وقعوا في التشبيه وجادلوا عليه لما سمعوا عن متشابه الكتاب فلم يحكموا عليه بالآيات التي جاءت بنفي التشبيه».

ويمثل ابن قتيبة الطرف المقابل للمعتزلة في الهجوم على صاحب هذا الرأي، ويعتبره أشد تناقضا من المعتزلة ومن أهل التأويل جميعا. يقول «فتهجم من قبيح مذاهبه وشدة تناقض قوله على ما هو أولى بأن يكون تناقضا مما أنكروه» .

وإذا كان الجاحظ كما سبق أن أشرنا قد استغلّ المجاز بأنواعه المختلفة لتأويل بعض الآيات القرآنية للرد على الطاعنين في القرآن والذين يتهمونه بالتناقض، ويحاولون التشكيك في عربيته وبلاغته، فإنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى «المحكم والمتشابه» ، ربما لأن الآيات التي تعرّض لها بالتفسير والتأويل كانت من ذلك النوع الذي استدعاه سياق الموضوع الذي كان يكتب فيه. ومن جهة أخرى فقد كان الجاحظ يتعرّض أحيانا وبشكل عارض للرد على بعض التأويلات، خصوصا على الشيعة في قولهم بإمامة علي بالنص، وهو في هذه الردود والتأويلات كلها لا يخضعها لذلك القانون العام عند المعتزلة، قانون المحكم والمتشابه. ومن الصعب على أي حال القول بأن الجاحظ لم يكن يعرف هذا القانون، وقد كان معروفا قبله، كما أن له كتابا لم يصل إلينا في الرد على المشبهة سبقت الإشارة إليه.

ولكن معاصرا للجاحظ هو ابن قتيبة (ت 276هـ) ربط ربطا محكما بين مجالات التأويل والمجاز والمحكم والمتشابه. وواضح من كتابه، كما في «تأويل مختلف الحديث» ، عنايته بالرد على كثير من آراء الجاحظ وتسفيهها الأمر الذي يجعلنا نفترض أن الجاحظ كانت له في المحكم والمتشابه آراء لم تصل الينا. وتسمية كتابه عن القرآن باسم «تأويل مشكل القرآن» له دلالته الواضحة فيما نحن بصدده.

ولكن مفهوم «المتشابه» عند ابن قتيبة يتسع ليشمل كل الآيات التي كانت محلا للطعن في القرآن أو التشكيك في عربيته وبلاغته. جدير بالذكر أنه على عكس المعتزلة لا يضع المحكم مقابلا للمتشابه، ولا يردّ المتشابه إلى طريقة العرب في التعبير، وبذلك يعدّ المجاز وحده هو مدخله للتأويل. ونتيجة لذلك فقد كان من الطبيعي أن يتسع مفهوم المجاز عنده كما سبقت الاشارة.

ومما يؤكد الغاية الدفاعية لابن قتيبة في الكتاب الرد على منكري السحر والجن خصوصا رأي النظّام الذي يورده الجاحظ في «الحيوان» ويتسع سلاح التأويل المجازي ليتجاوز القرآن إلى الكتب المقدسة الأخرى ردا على النصارى في

قولهم أن المسيح ابن الله «أما «المجاز» فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعبت بهم الطرق، واختلفت النحل. فالنصارى تذهب في قول المسيح عليه السلام في «الانجيل» : «أدعو أبي وأذهب إلى أبي» وأشباه هذا، إلى أبوة الولادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت