فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 269

ومما يؤكد الغاية الدفاعية لابن قتيبة في الكتاب الرد على منكري السحر والجن خصوصا رأي النظّام الذي يورده الجاحظ في «الحيوان» ويتسع سلاح التأويل المجازي ليتجاوز القرآن إلى الكتب المقدسة الأخرى ردا على النصارى في

قولهم أن المسيح ابن الله «أما «المجاز» فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعبت بهم الطرق، واختلفت النحل. فالنصارى تذهب في قول المسيح عليه السلام في «الانجيل» : «أدعو أبي وأذهب إلى أبي» وأشباه هذا، إلى أبوة الولادة.

ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة دون غيره، ما جاز لهم أن يتأوّلوه هذا التأويل في الله تبارك وتعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا مع سعة المجاز، فكيف وهو يقوله في كثير من المواضع لغيره؟ كقوله حين فتح فاه بالوحي: «وإذا تصدقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فان أباك الذي يرى الخفيات يجزيك به علانية، وإذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدّس اسمك، وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير أبيك» وبذلك لا يختص المسيح وحده بأن يكون ابنا لله، إن صحّ أخذ هذه العبارات على ظاهرها. ولذلك فلا بدّ من اعتبارها عبارات مجازية. ويستشهد ابن قتيبة على ذلك بأبيات من الشعر العربي سميت فيه الأرض أما، ويستشهد كذلك بآيات من القرآن مثل «فأمه هاوية» للدلالة على أن التعبير بالأم لا يقصد به أصل المعنى، ولكن «لمّا كانت كافلة الولد وغاذيته ومأواه ومربيته وكانت النار للكافر كذلك جعلها أمه» .

ومما يؤكد أهمية «المجاز» عند ابن قتيبة كأداة للتأويل وإزالة التناقض الذي اتهم به القرآن، أنه يكاد يرفع المجاز إلى مستوى الضرورة اللغوية التي لا محيص عنها للمتكلم. وقد كان من الممكن لهذا الرأي أن يميز ابن قتيبة عن معاصريه جميعا، ولولا أنه يعود بعد ذلك ليربط المجاز بالمواطأة بين المتكلمين، وهو بذلك يعيد المجاز لمستوى العرف اللغوي، لا مستوى الضرورة التعبيرية. ومن ناحية أخرى فإنه في ردوده على المعتزلة يبدو محافظا في رغبته في ابعاد المجاز عن الآيات التي استشهد بها المعتزلة، ورغبته في أخذها على مستواها الحقيقي الحرفي كما رأينا في اشتراطه للمجاز ألّا يؤكّد بأي صيغة من صيغ التأكيد، وكما رأينا في ايمانه بكلام حقيقي لجهنم وللسماء وللأرض، وبأن كلام الله كلام حقيقي الخ كل ذلك. ولذلك يبدو ابن قتيبة في ردوده على الطاعنين في القرآن متحمسا حماسا شديدا للتأويل المجازي، بينما يبدو في رده على المعتزلة متحمسا لأخذ الآيات على ظاهرها دون تأويل.

«وأمّا الطاعنون على القرآن» «بالمجاز» فانهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد والقرية لا تسأل. وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم. ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا كان

أكثر كلامنا فاسدا، لأنّا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر. ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كون. ونقول: كان الله. وكان بمعنى حدث، والله عز وجل، قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت