فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 269

«وأمّا الطاعنون على القرآن» «بالمجاز» فانهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد والقرية لا تسأل. وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم. ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا كان

أكثر كلامنا فاسدا، لأنّا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر. ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كون. ونقول: كان الله. وكان بمعنى حدث، والله عز وجل، قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن.

والله تعالى يقول: {فَإِذََا عَزَمَ الْأَمْرُ} وإنما يعزم عليه. ويقول تعالى: {فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ} وإنما يربح فيها. ويقول: {وَجََاؤُ عَلى ََ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}

وإنما كذب به.

ولو قلنا للمنكر لقوله: (جدارا يريد أن ينقض) : كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدار ماذا؟ لم يجد بدّا من أن يقول: جدارا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض. وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلّا بمثل هذه الألفاظ».

غير أن ابن قتيبة يتراجع عن هذا الحماس في الرد على الطاعنين ومنكري المجاز في القرآن، ذلك الحماس الذي يصل إلى القول بأن المجاز ضرورة تعبيرية لا يستطيع المتكلم منها فكاكا، حتى فيما يتصل بالحديث عن الله عز وجل، وذلك أن المتكلم يقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، وهذا مما لا يجوز على الله. ولكن هذا ما تتيحه مواضعات اللغة التي هي جزء من عالمنا المتناهي وتصوراتنا البشرية القاصرة. فإذا كانت اللغة بحكم بشريتها تعجز عن التعبير عن الحيوان والجماد دون أن تسند له الفعل والحواس، فما بالك حين تعبر هذه اللغة عن المطلق اللامتناهي السرمدي، إنها ولا شك لا بدّ أن تقع في التشبيه والتجسيد رغما عنها. هذه النظرة لضرورة المجاز، واثبات عجز المتكلم عن الكلام دون اللجوء للمجاز يتراجع عنها ابن قتيبة، ولذلك يستنكر تأويل المعتزلة لكلام السماء والأرض وجهنم بأنه مجاز «وأما تأويلهم في قوله جل وعز للسماء والأرض: {ائْتِيََا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ:} إنه عبارة عن تكوينه لهما. وقوله لجهنم {هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} إنه اخبار عن سعتها فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين وسائر ما جاء في كتاب الله عز وجل من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتنع عن مثل هذه التأويلات؟

وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله تبارك وتعالى ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخر الجبال والطير بالتسبيح، فقال: إِنََّا

سَخَّرْنَا الْجِبََالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرََاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوََّابٌ وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت