وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله تبارك وتعالى ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخر الجبال والطير بالتسبيح، فقال: إِنََّا
سَخَّرْنَا الْجِبََالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرََاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوََّابٌ وقال:
{يََا جِبََالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} أي سبحن معه وقال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلََّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلََكِنْ لََا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كََانَ حَلِيمًا غَفُورًا.}
وقال في جهنم: {تَكََادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} أي تتقطع غيظا عليهم كما تقول:
فلان يكاد ينقد غيظا عليك، أي ينشق. وقال: {إِذََا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا.} وروي في «الحديث» أنها تقول: «قط قط» أي حسبي، وهذا سليمان عليه السلام يفهم منطق الطير وقول النمل وهذا «رسول الله» صلى الله عليه وسلم، تخبره الذراع المسمومة ويخبره البعير أن أهله يجيعونه ويدأبونه». وعلى الرغم من أن محافظة ابن قتيبة على المعنى الحرفي لأمثال هذه الآيات «أجدت على الحاسة الدينية أكثر مما أغنى التأول المجازي الحاد» فإنها من جانب آخر لم تلمح ما سبق أن قرره ابن قتيبة نفسه من ضرورة التعبير المجازي. على أن ابن قتيبة وهو من رجال الحديث يعتمد على كثير من المرويات المأثورة ليدعم بها وجهة نظره، وبذلك يكون أقرب إلى وجدان المسلم العادي من تأويلات المعتزلة.
وإذا كان ابن قتيبة لا يردّ على المعتزلة وحدهم، وإنما يردّ على كل المتأولين والطاعنين في القرآن، فمن الطبيعي أن يتسع مفهوم «المتشابه» عنده. وتعريفه لأصل المتشابه بأنه «أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان» يعود بنا الى المفهوم «المتشابه» عند المفسرين، وعند مقاتل في «الأشباه والنظائر» . ولكن ابن قتيبة يتجاوز هذا المعنى الحرفي الأصلي للتشابه ليدل به على كل ما غمض عموما، وبذلك يكون معنى «المتشابه» «الغامض» ومنه يقال: اشتبه علي الأمر، إذا أشبه غيره لم تكد تفرق بينهما، وشبهت علي إذا ألبست الحق بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه لأنهم يشبهون الباطل بالحق.
ثم قد يقال لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألّا ترى أنه قد قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه، وليس الشك فيها، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها، والتباسها بها» (تأويل مشكل القرآن، 102101) . وهكذا إذا كان معنى «المتشابه» يعود في الأصل إلى التشابه، فإن الكلمة قد تعني الغموض عامة. ولكن السؤال الذي يحاول أن يجيب عليه ابن قتيبة، وواضح أن الطاعنين في القرآن كانوا قد طرحوه هو: إذا كان القرآن قد نزل على لغة العرب، وعلى أسلوبها وطرائقها كما يقول ابن قتيبة نفسه، فكيف أشكل أو غمض على العرب معرفة معاني بعض آياته، حتى احتاجوا لمن يقدح لهم زناد فكره، ويستخرج لهم معانيه بردها إلى الأسلوب العربي؟ والسؤال
نفسه لا ينطوي على البراءة التي يوحي بها ظاهره، فالقرآن قد وصف نفسه بأنه «هدى» وبأنه «بيان» ، فكيف يأتي فيه «المتشابه» الذي أثار الخلاف وأوقع الفتن؟