ثم قد يقال لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألّا ترى أنه قد قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه، وليس الشك فيها، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها، والتباسها بها» (تأويل مشكل القرآن، 102101) . وهكذا إذا كان معنى «المتشابه» يعود في الأصل إلى التشابه، فإن الكلمة قد تعني الغموض عامة. ولكن السؤال الذي يحاول أن يجيب عليه ابن قتيبة، وواضح أن الطاعنين في القرآن كانوا قد طرحوه هو: إذا كان القرآن قد نزل على لغة العرب، وعلى أسلوبها وطرائقها كما يقول ابن قتيبة نفسه، فكيف أشكل أو غمض على العرب معرفة معاني بعض آياته، حتى احتاجوا لمن يقدح لهم زناد فكره، ويستخرج لهم معانيه بردها إلى الأسلوب العربي؟ والسؤال
نفسه لا ينطوي على البراءة التي يوحي بها ظاهره، فالقرآن قد وصف نفسه بأنه «هدى» وبأنه «بيان» ، فكيف يأتي فيه «المتشابه» الذي أثار الخلاف وأوقع الفتن؟
ويرد ابن قتيبة هذا الطعن رابطا وجود «المتشابه» بفكرة الاختبار والابتلاء والتكليف ليتبين المجتهد من المقلد، وليتمايز الناس بمعارفهم. وذلك لا يتناقض من وجهة نظره مع نزول القرآن على لغة العرب وأسلوبها في التعبير، فاللغة نفسها فيها «الإيجاز والاختصار، والاطالة والتوكيد والاشارة إلى الشيء واغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلّا اللقن، واظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي.
ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر. ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة».
وإذا كان معنى «المتشابه» عند ابن قتيبة قد أخذ هذا المعنى الواسع، حتى أدخل فيه الحروف المقطعة في أوائل السور، وإذا كان ابن قتيبة، شأنه شأن أبي عبيدة والفراء والجاحظ كان مشغولا بالرد على الطاعنين والمتأولين، فمن الطبيعي أن يسلم بامكانية معرفة «المتشابه» ما دام قد سلم بأهميته لتمييز المجتهد من المقلد «ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم. وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلّا لينفع به عباده، ويدل به على معنى أراده. فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة» ويحتاج ابن قتيبة بعد ذلك للتأويل النحوي للآية، خصوصا قوله تعالى {وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا} وهل هي معطوفة مع ما قبلها {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ} أم هي جملة مستأنفة مقطوعة عنها؟
والمشكلة الاعرابية في الآية تتركّز في جملة «يقولون آمنا به» لأنها ليست مسبوقة بواو الحال أو واو العطف وهذا يجعلها أقرب للجملة الخبرية للراسخين في العلم، ومن جهة أخرى فإن أسلوب القصر بما والا في الجملة السابقة يجعل عطف الجملتين صعبا. ولكن ابن قتيبة يخرج من ذلك كله بتوجيه الآية على أن «يقولون» هاهنا في معنى الحال، كأنه قال: الراسخون في العلم قائلين: آمنا به. ومثله في الكلام:
لا يأتينك إلّا عبد الله وزيد يقول: أنا مسرور بزيارتك. يريد: لا يأتينك إلّا عبد الله وزيد قائلا: أنا مسرور بزيارتك. ومثله لابن مفرغ الحميري يرثي رجلا في قصيدة أولها:
أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيام برامه
والريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه
أراد: والبرق لا معا في غمامة تبكي شجوه أيضا، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعه معنى». وأيّا كان هذا التوجيه، فقد كان هو التوجيه الذي ساد بين كل الفرق باستثناء أولئك الذين ظلوا على اعتقادهم بأنّ المتشابه مما استأثر الله بعلمه، ولا يعلمه أحد.