فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 269

أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيام برامه

والريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه

أراد: والبرق لا معا في غمامة تبكي شجوه أيضا، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعه معنى». وأيّا كان هذا التوجيه، فقد كان هو التوجيه الذي ساد بين كل الفرق باستثناء أولئك الذين ظلوا على اعتقادهم بأنّ المتشابه مما استأثر الله بعلمه، ولا يعلمه أحد.

وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى مسلك ابن قتيبة في تأويل آيات القرآن، نجده يتفق مع المعتزلة في كثير من تأويلاتهم في قضية التوحيد ونفي مشابهة الله للبشر، وذلك باستثناء اسناد الكلام إلى الله فقد اعتبره ابن قتيبة اسنادا حقيقيا بينما اعتبره المعتزلة اسنادا مجازيا كما سبق أن وضحنا. فالوجه في قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ} وفي جميع الآيات التي تضيف لله وجها، معناه هو. ويضع في الاستعارة قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ} ويكون معناه «أي عن شدة الأمر» ، وكذلك قوله: {وَقَدِمْنََا إِلى ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُورًا} وتكون أهون في قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} بمعنى «هين عليه، أي سهل عليه» . وأمّا قوله تعالى {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلََانِ} فإن معناه «ومجازه: سنقصد لكم بعد طول الترك والاهمال» . وقوله تعالى {مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلََّا هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا} أي يقهرها ويذلّها بالملك والسلطان». أمّا خشينا في قوله تعالى {فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا طُغْيََانًا وَكُفْرًا} فتكون معناها «علمنا» «لأن في الخشية والخوف طرفان من العلم» . ومن الواضح في هذا التأويل الأخير عجز التحليل اللغوي عن ادراك المعنى، فسياق الآية في سورة الكهف، في حوار بين موسى عليه السلام والعبد المؤمن الذي أوتي العلم اللدني، ومن الطبيعي أن يعبر العبد المؤمن عن علمه بالخشية، وحتى لو كان الفعل مسندا لله، فتظل معضلة اللغة التي أشرنا اليها هي العائق عن التعبير عمّا هو خارج عن حدودها.

ولا يخرج تأويل الآيات التي توهم حدوث علم الله عند ابن قتيبة عمّا سبق أن وجدناه عند أبي عبيدة والفراء، أمّا الآيات التي تسند المكر والاستهزاء إلى الله فيضعها ابن قتيبة فيما جاء مخالفا معناه لظاهر لفظه «ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظة والمعنيان مختلفان: نحو قوله تعالى: {إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، اللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أي يجازيهم جزاء الاستهزاء» . ومن هذا النوع من المجاز أيضا مخالفة ظاهر اللفظ للمعنى «أن يأتي الكلام على لفظ أمر وهو تهديد: كقوله {اعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ» } .

ومن استعراض هذه الأمثلة كلها نحس أن ابن قتيبة لا يكاد يضيف جديدا إلى ما قدّمه السابقون عليه، ونلاحظ أيضا أن الحس التوضيحي التبسيطي الذي

يعنى بالشرح أكثر من التحليل ما يزال طاغيا. وفي هذه القضية ليس ثمّة خلاف أساسي بين المعتزلة وابن قتيبة، ومن ثم فهو يكاد ينقل عنهم شروحهم وتأويلاتهم، خصوصا عن الفراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت