فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 269

والخلاف بين المعتزلة وخصومهم جميعا في هذه القضية ناشئ عن تحديد

صفة الكلام، هل هي من صفات الذات، أم من صفات الأفعال، وينفي المعتزلة عن الله أي صفة ذاتية سوى العلم والقدرة والحياة والقدم وما عدا ذلك فهي صفات أفعال ومنها الكلام. وعلى ذلك فكلام الله محدث وللمعتزلة على ذلك أدلّة كثيرة نخرج عن حدود البحث لو استعرضناها أو ناقشناها والذي يهمنا في موضوع المجاز والتأويل أن القاسم الرسى يحاول نفي صفة الكلام الحقيقية عن الله.

ويبدو أن ابن قتيبة كان يردّ على هذا الرأي حين اشترط لوقوع المجاز في الأفعال ألّا يؤكد بالمصادر أو بأي نوع من التأكيد اللفظي. وابن قتيبة في هذه المحاولة يمثل الجانب الآخر للمعتزلة «إن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر ولا تؤكد بالتكرار، فتقول: أراد الحائط أن يسقط، ولا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، وقالت الشجرة فمالت، ولا تقول: قالت الشجرة فمالت قولا شديدا.

والله تعالى يقول: {وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسى ََ تَكْلِيمًا} فوكّد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه المجاز». ويتخذ ابن قتيبة هذه القاعدة سندا ليخالف المعتزلة فيما ذهبوا إليه من نفي كلام جهنم وتسبيح الجبال، وتكوين الله للاشياء كلها بكلمة «كن» على أساس أن هذه كلها تعبيرات مجازية. يخالفهم ابن قتيبة في ذلك كله ويذهب إلى أن كل هذه التعبيرات حقائق لأنها مما لا يخرج عن قدرة الله أولا، ولأن كثيرا منها قد وكّد بالمصدر أو غيره من أنواع التوكيد».

غير أن القاضي عبد الجبار يستدل بهذه الآية نفسها كما فعل القاسم الرسى على حدوث القرآن، اعتمادا على أن المصادر حادثة «وقوله تعالى «تكليما» يقتضي أن ما كلم به غيره حادث، لأن المصادر لا تكون إلّا حادثة».

ويستغل. القاسم ما سبق أن قرره من أن المحكم هو الأصل للكتاب والمتشابه فرع ينبغي أن يرد إلى المحكم بالتأويل، في الرد على المجبرة وفي تأكيد كل المبادئ والأفكار التي يتفق فيها كشيعي مع المعتزلة، وهي أفكار تكاد تتطابق مع الفكر الاعتزالي تطابقا واضحا باستثناء رأيهم في الامامة».

وننتهي من ذلك كله إلى أن التفرقة بين المحكم والمتشابه، وتأويل المتشابه برده إلى المحكم قد نضجت على أيدي المعتزلة، وصارت قانونا يحكم تأويلاتهم بناء على أصولهم العقلية التي يقال أن أبا الهذيل العلاف (ت 235هـ) كان أول من وضعها لهم في صورتها الكاملة «وصنف لهم كتابا وبين مذهبهم وجمع علومهم وسمى ذلك الكتاب الأصول الخمسة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت