فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 269

فهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المفسّر من الأوصاف وفي رسالة

أخرى للقاسم الرس بعنوان «كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد» يتعرّض لمناقشة الآيات القرآنية التي يستدل بها كل من المشبهة والمجبرة، ويؤولها تأويلا يتفق مع أصول الفكر الاعتزالي وهي كلها تأويلات تخضع لذلك القانون العام، قانون رد المتشابه إلى المحكم، وهو يعرض للآيات المتشابهة التي يستند إليها المشبّهة، ثم يؤول هذه الآيات كلها آية آية حسب معتقد المعتزلة في التنزيه ونفي مشابهة الله للبشر. يقول «وتأوّلت أيضا المشبّهة قول الله، تبارك وتعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وقوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ وَالسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ،} وقوله: {وَجََاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا،} وقوله: {وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسى ََ تَكْلِيمًا،} وقوله: {سَمِيعٌ بَصِيرٌ،} وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللََّهُ نَفْسَهُ} وقوله:

{كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ،} ففسروا ذلك على ما توهموا من أنفسهم وبأن الله، عز وجل، عندهم في ذلك على معاني المخلوقين وصفاتهم في هيئاتهم وأفعالهم، فكفروا بالله العظيم، وعبدوا غير الله الكريم».

ويهمنا أن نتوقف عند تأويل القاسم الرسى لبعض هذه الآيات لنرى نمو الطريقة الجدلية في التأويل عمّا وجدناه عند الحسن البصري والفراء، وهو نمو يكشف عن الارتباط الكامل بين قضايا التأويل والمحكم والمتشابه والفكر الاعتزالي عامة.

ومعظم هذه الآيات سبق أن تعرّضنا لها عند أبي عبيدة والفراء، وحتى لا نقع في تكرار ما سبق أن ناقشناه والقاسم لا يكاد يضيف في تأويلاته لها جديدا سنتوقف أمام صفة الكلام في قوله تعالى {وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسى ََ تَكْلِيمًا.} والآية تجعل القاسم يثير قضية خلق القرآن، وهي قضية خلافية حادة بين المعتزلة وأهل السنة بكل اتجاهاتهم ومذاهبهم، وكان لها صدى سياسي سيّئ الأثر، انتهى بالقضاء إلى ازدهار الفكر الاعتزالي. وقوله: {وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسى ََ تَكْلِيمًا،} فذهبت المشبّهة إلى أن الله، تعالى عمّا قالوا علوّا كبيرا، يكلم بلسان وشفتين، وخرج الكلام منه كما خرج من المخلوقين، فكفروا بالله العظيم حين ذهبوا إلى هذه الصفة. ومعنى كلامه، جلّ ثناؤه، لموسى صلوات الله عليه، عند أهل الايمان والعلم، أنه أنشأ كلاما خلقه كما شاء فسمعه موسى، صلى الله عليه وفهمه».

والقاسم هنا يريد أن ينفي عن الله صفة الكلام بمعناه الحسي الحرفي، ويخرج من ذلك لمناقشة مشكلة خلق القرآن، ويستدل على حدوث القرآن الكلام الالهي بآيات أخرى من القرآن. ولا يخرج هذا الاستدلال بعمومه عن الآيات التي استدلّ بها القاضي عبد الجبار على حدوث القرآن وخلقه».

والخلاف بين المعتزلة وخصومهم جميعا في هذه القضية ناشئ عن تحديد

صفة الكلام، هل هي من صفات الذات، أم من صفات الأفعال، وينفي المعتزلة عن الله أي صفة ذاتية سوى العلم والقدرة والحياة والقدم وما عدا ذلك فهي صفات أفعال ومنها الكلام. وعلى ذلك فكلام الله محدث وللمعتزلة على ذلك أدلّة كثيرة نخرج عن حدود البحث لو استعرضناها أو ناقشناها والذي يهمنا في موضوع المجاز والتأويل أن القاسم الرسى يحاول نفي صفة الكلام الحقيقية عن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت