معرفة ما يرضيه وما يسخطه. والوجه الثالث: اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه» ولكل عبادة من هذه العبادات حجج هي على الترتيب «العقل والكتاب والرسول» . فالعقل هو الحجة التي تؤدي بنا إلى معرفة الله بعدله وتوحيده وكل صفاته وما يجوز عليها منها وما لا يجوز. والكتاب هو الحجة التي نعلم عن طريقها أوامر الله ونواهيه، ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه. والسنّة أو الرسول هي الحجة الثالثة التي تؤدي بنا إلى معرفة كيفية اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، أو
بألفاظ أخرى هي الموضحة والمبينة لحجة الكتاب. ويجعل القاسم الرسى «العقل أصل الحجتين الأخيرتين، لأنهما عرفا به، ولم يعرف بهما» .
وتنقسم هذه الحجج الثلاث إلى أصول وفروع، فالعقل كما سبق أن أشرنا ينقسم إلى ضروري واكتسابي. والضروري هو أصل للاكتسابي «وإنما وقع الاختلاف في ذلك لاختلاف النظر والتمييز فيما يوجب النظر والاستدلال بالدليل الحاضر المعلوم على المدلول عليه الغائب المجهول. فعلى قدر نظر الناظر واستدلاله يكون دركه لحقيقة المنظور فيه والمستدل عليه» .
والحجة الثانية من حجج العبادة وهي حجة الكتاب تنقسم أيضا إلى أصول وفروع «وأصل الكتاب هو المحكم الذي لا اختلاف فيه، الذي لا يخرج تأويله مخالفا لتنزيله، وفرعه المتشابه من ذلك فمردود إلى أصله الذي لا اختلاف فيه بين أهل التأويل» وهكذا ترتبط قضية التأويل والمحكم والمتشابه بالنسق العام للفكر الاعتزالي، ولا تصبح مهمة المفسّر والحالة هذه مجرد الشرح والتوضيح، بل لا بدّ من أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط، أهمها وأخطرها في نفس الوقت تلك القدرة العقلية على معرفة ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه. ولا يصبح العلم بالعربية وتراكيبها كافيا، بل يأتي في الدرجة الثانية من المعرفة العقلية «اعلم أنه لا يكفي في المفسّر أن يكون عالما باللغة العربية، ما لم يعلم معها النحو والرواية، والفقه الذي هو العلم بأحكام المشرّع وأسبابها، ولن يكون المرء فقيها عالما بأحكام الشرع وأسبابها إلّا وهو عالم بأصول الفقه، التي هي أدلّة الفقه والكتاب والسنّة والإجماع والقياس والأخبار وما يتصل بذلك. ولن يكون عالما بهذه الأحوال إلّا وهو عالم بتوحيد الله تعالى وعدله، وما يجب له من الصفات وما يصح وما يستحيل وما يحسن منه فعله وما لا يحسن منه فعله بل يقبح، فمن اجتمع فيه هذه الأوصاف وكان عالما بتوحيد الله وعدله وبأدلّة الفقه وأحكام الشرع، وكان بحيث يمكنه حمل المتشابه على المحكم والفصل بينهما، جاز له أن يشتغل بتفسير كتاب الله تعالى، ومن عدم شيئا من هذه العلوم فلن يحل له التعرّض لكتاب الله جل وعز، اعتمادا على اللغة المجردة، أو النحو المجرد، أو الرواية فقط.
يبين ما ذكرناه ويوضحه، أن المفسّر لا بدّ من أن يكون بحيث يمكنه حمل قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} على قوله {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ} وقوله {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} إلى قوله {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} وهكذا الحال في غيرها من الآيات المتشابهة والمحكمة.
فهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المفسّر من الأوصاف وفي رسالة
أخرى للقاسم الرس بعنوان «كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد» يتعرّض لمناقشة الآيات القرآنية التي يستدل بها كل من المشبهة والمجبرة، ويؤولها تأويلا يتفق مع أصول الفكر الاعتزالي وهي كلها تأويلات تخضع لذلك القانون العام، قانون رد المتشابه إلى المحكم، وهو يعرض للآيات المتشابهة التي يستند إليها المشبّهة، ثم يؤول هذه الآيات كلها آية آية حسب معتقد المعتزلة في التنزيه ونفي مشابهة الله للبشر. يقول «وتأوّلت أيضا المشبّهة قول الله، تبارك وتعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وقوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ وَالسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ،} وقوله: {وَجََاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا،} وقوله: {وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسى ََ تَكْلِيمًا،} وقوله: {سَمِيعٌ بَصِيرٌ،} وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللََّهُ نَفْسَهُ} وقوله: