فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك وخسر بزك ورقيقك، كان جائزا لدلالة بعضه على بعض» ولعله من المفيد أن نتوقف قليلا أمام هذا النص محاولين استجلاء مفهوم التجاوز في التعبير عند الفراء. وأول ما يلفت الانتباه في هذا النص محاولة الفراء شأن أبي عبيدة والمفسرين قبله أن يردّ العبارة القرآنية إلى كلام العرب، ثم أن يبين أن سبب التجاوز هو أن «الربح والخسران إنما يكون في التجارة فعلم معناه» أي أن التجاوز في الاسناد لم يؤدّ إلى غموض المعنى بسبب تلك الصلة القائمة بين التاجر الفاعل الحقيقي للربح وبين التجارة التي يحدث فيها الربح ولذلك فذهن القارئ ينصرف فورا إلى أن المعنى هو ربح التاجر في التجارة. والرغبة في وضوح المعنى هي التي تجعل الفراء يرفض التجاوز في مثل «خسر عبدك» إذا كنت تريد أن تجعل العبد تجارة لا تاجرا. والذي يجعل الفراء يرفض التجاوز في هذا التركيب أن جملة «خسر عبدك» تحتمل معنيين: المعنى الأول: أن يكون العبد تاجرا في مال سيده فيخسر، وبذلك يكون الاسناد حقيقيا لا مجازيا. والمعنى الثاني: أن يكون العبد نفسه تجارة يخسر فيها السيد، وهنا يكون الاسناد مجازيا، أو متجوزا فيه على حد تعبير الفراء. يرفض الفراء هذا التركيب
لأنه يؤدي إلى غموض يعوقنا عن فهم المراد، وذلك لأنه يحتمل الاسناد الحقيقي والمجازي معا دون مرجح أو قرينة ترجح بينهما. فإذا ورد تركيب مشابه لهذا التركيب في سياق يفهم منه المعنى كأن تقول «قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزك ورقيقك» كان جائزا لدلالة بعضه على بعض. والذي يهمنا في هذا النص هو التفات الفراء لمعنى التجاوز في التعبير، واستخدامه لكلمة «التجوز» التي هي أقرب إلى كلمة «مجاز» ثم ادراكه للعلاقة بين المجاز والحقيقة في اسناد الفعل إلى غير فاعله، وذلك لوجود علاقة بين الفاعل الأصلي والفاعل النحوي في العبارة.
وإذا كان الفراء قد تنبه في النص السابق إلى التجاوز في إسناد الفعل إلى غير فاعله، فهو في مواطن كثيرة يتنبه إلى هذا التجاوز، دون أن يشير إلى كلمة «التجوز» التي كثرت اشارته إليها في النص السابق، بل يستخدم كلمة قريبة جدا من معنى التجوز هي «الاتساع» . يقف أمام قوله {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهََارِ} ويقول:
«المكر ليس لليل ولا للنهار، وانما المعنى: بل مكركم بالليل والنهار. وقد يجوز أن نضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين، لأن العرب تقول: نهارك صائم، وليلك نائم، ثم تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو في المعنى للآدميين كما تقول: نام ليلك، وعزم الأمر، إنما عزمه القوم. فهذا مما يعرف معناه فتتسع به العرب» . ويلح الفراء هنا كما في المثال السابق على وضوح الدلالة «فهذا مما يعرف معناه» .
وإذا كان التجاوز في المثالين السابقين تجاوزا في الاسناد، فثم نوع آخر من التجاوز يكون في دلالة الصيغة الصرفية، فصيغة «فاعل» تدل على اسم الفاعل، ولكنها قد يتجوز بها فتدل على اسم المفعول. ومن الطبيعي أن يقف نحوي كالفراء أمام هذه الظواهر ليتأملها ويحاول أن يردّها إلى ما هو معروف من كلام العرب.
يتوقف مثلا أمام قوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ} فيقول: «فيها الرضاء، والعرب تقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلا، وهو مفعول في الأصل، وذلك أنهم يريدون وجه المدح والذم، فيقولون ذلك لا على بناء الفعل، ولو كان فعلا مصرحا لم يقل ذلك فيه، لأنه لا يجوز أن تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذم» والفراء هنا يحدد وظيفة للانتقال بالصيغة عمّا وضعت له من دلالتها الصرفية إلى دلالة أخرى، هذه الوظيفة هي المدح أو الذم. والمقصود بالمدح والذم هنا هو التعبير عن شيء وراء الوصف الظاهري. وبدون هذا الشيء لا يصح استخدام الصيغة في غير ما وضعت له، ومعنى ذلك أن الانتقال بالصيغة من معنى الفاعل إلى معنى المفعول يتضمن مدحا أو ذما لا تعبر عنه الصيغة في دلالتها الأصلية.