يتوقف الفراء أيضا أمام ما سيطلق عليه فيما بعد اسم «المجاز المرسل» وذلك عند قوله تعالى: {كُنْتُمْ تَأْتُونَنََا عَنِ الْيَمِينِ} يقول: «كنتم تأتوننا من قبل اليمين، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القدرة والقوة. وكذلك قوله {فَرََاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} أي بالقوة والقدرة. وقال الشاعر:
إذا ما غاية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
أي بالقدرة والقوة». وكذلك يتوقف الفراء أمام قوله تعالى {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصََارِ} ليقول: «يريد أولى القوة والبصر في أمر الله» «وقوله عز وجل:
{بِأَيْدٍ} بقوة». ولا يشير الفراء في هذه الأمثلة للعلاقة المجازية بين الأيدي والقوة. ولكنه في مثال آخر يحاول توضيح هذه العلاقة، وذلك حين يتعرّض لقوله تعالى {يَتْلُونَ آيََاتِ اللََّهِ آنََاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} حيث يقول «السجود في هذا الموضع اسم للصلاة لا للسجود، لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع» . والعلاقة التي يشير اليها الفراء هنا هي علاقة تعبير الجزء عن الكل، فالسجود جزء من الصلاة، ولذلك عبر عن الصلاة الكل بالسجود الجزء.
والقرينة التي تسمح بهذا التجوز أن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع، بل تكون في الصلاة عموما ولهذا السبب أي بسبب عدم غموض المعنى جاز هذا التعبير.
ويتوقف الفراء، شأن معاصره أبي عبيدة، أمام مجاز الحذف في آيات كثيرة.
وهو يسلك مسلكه في الحرص على تعيين المحذوف وتحديده. يقف أمام قوله تعالى:
{اضْرِبْ بِعَصََاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتََا عَشْرَةَ عَيْنًا} ليقول «معناه والله أعلم فضرب فانفجرت. فعرف بقوله «فانفجرت» أنه قد ضرب، فاكتفى بالجواب، لأنه أدّى عن المعنى. فكذلك قوله {أَنِ اضْرِبْ بِعَصََاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ}
ومثله في الكلام أن تقول: أنا الذي أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، فالمعنى فتجرت فاكتسبت». ومن الواضح أن الفراء يهتم بوضوح المعنى الذي يجوز معه الحذف، ما دام الحذف لن يعوق المتلقي عن فهم المعنى المراد.
ومما يؤكد المدخل النحوي للوقوف الطويل أمام مجاز الحذف، بحث الفراء عن «الفاء» في جواب «أمّا» في قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ}
وهي نفس الآية التي توقف أمامها أبو عبيدة، وإن لم تشغله قضية «الفاء» وهذا هو الفارق بين لغوي كأبي عبيدة يبحث عن استواء العبارة، وبين نحوي كالفراء يبحث عن استواء القاعدة. يقول الفراء: «إن «أمّا» لا بدّ لها من الفاء جوابا فأين هي؟ فيقال: إنها كانت مع قول مضمر، فلما سقط القول سقطت الفاء معه.
والمعنى والله أعلم فأمّا الذين اسودت وجوههم فيقال: أكفرتم، فسقطت الفاء مع (فيقال) والقول قد يضمر. ومنه في كتاب الله شيء كثير، من ذلك قوله {وَلَوْ تَرى ََ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنََا أَبْصَرْنََا وَسَمِعْنََا} وقوله {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ الْقَوََاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا} وفي قراءة عبد الله ويقولون ربنا والاستشهاد بقراءة ابن مسعود هنا يؤكد ما يذهب إليه الفراء من أن القول قد يضمر. ومن الطبيعي أن لا يلتفت الفراء وأبو عبيدة للوظيفة الاسلوبية لما أسموه «الحذف» خصوصا في فعل القول، تلك الوظيفة التي «تنبع من الرغبة في التمثيل أكثر من مجرد القص أو الإخبار بأحداث القصة» * وذلك لأنهما كانا مشغولين بتوضيح النص القرآني وشرحه وجعله مفهوما. وكان من الطبيعي أيضا أن يتعاملا مع الشعر من نفس الناحية، منتهيا إلى الاهتمام بتحديد المحذوف وتعيينه. ويتوقف الفراء أمام قول الشاعر مستشهدا به على وجود الحذف في لغة العرب: