فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 269

ومما يؤكد المدخل النحوي للوقوف الطويل أمام مجاز الحذف، بحث الفراء عن «الفاء» في جواب «أمّا» في قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ}

وهي نفس الآية التي توقف أمامها أبو عبيدة، وإن لم تشغله قضية «الفاء» وهذا هو الفارق بين لغوي كأبي عبيدة يبحث عن استواء العبارة، وبين نحوي كالفراء يبحث عن استواء القاعدة. يقول الفراء: «إن «أمّا» لا بدّ لها من الفاء جوابا فأين هي؟ فيقال: إنها كانت مع قول مضمر، فلما سقط القول سقطت الفاء معه.

والمعنى والله أعلم فأمّا الذين اسودت وجوههم فيقال: أكفرتم، فسقطت الفاء مع (فيقال) والقول قد يضمر. ومنه في كتاب الله شيء كثير، من ذلك قوله {وَلَوْ تَرى ََ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنََا أَبْصَرْنََا وَسَمِعْنََا} وقوله {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ الْقَوََاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا} وفي قراءة عبد الله ويقولون ربنا والاستشهاد بقراءة ابن مسعود هنا يؤكد ما يذهب إليه الفراء من أن القول قد يضمر. ومن الطبيعي أن لا يلتفت الفراء وأبو عبيدة للوظيفة الاسلوبية لما أسموه «الحذف» خصوصا في فعل القول، تلك الوظيفة التي «تنبع من الرغبة في التمثيل أكثر من مجرد القص أو الإخبار بأحداث القصة» * وذلك لأنهما كانا مشغولين بتوضيح النص القرآني وشرحه وجعله مفهوما. وكان من الطبيعي أيضا أن يتعاملا مع الشعر من نفس الناحية، منتهيا إلى الاهتمام بتحديد المحذوف وتعيينه. ويتوقف الفراء أمام قول الشاعر مستشهدا به على وجود الحذف في لغة العرب:

رأتني بحبليها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق

ليقول: أقبلت بحبليها

ويتوقف أمام قول الآخر:

حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد

قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أنى بقيد

يريد مقيدا بقيد»

وكما اشترط الفراء في التجاوز الاسنادي وضوح المعنى والدلالة، كذلك يشترط لجواز الحذف أن يكون المعنى مفهوما. فإذا كان الحذف سيخلّ بالمعنى فهو غير جائز. والذي يثير القضية عند الفراء قوله تعالى: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمََا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قََالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} ، «ولم يقل قال الذي لم يتقبل منه لأقتلنك ومثله في الكلام أن نقول: إذا اجتمع السفيه والحليم حمد، تنوي بالحمد الحليم، وإذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، وأنت تنوي: أعنت المظلوم للمعنى الذي لا يشكل. ولو قلت مرّ بي رجل وامرأة فأعنت، وأنت تريد أحدهما لم يجز حتى يبين، لأنهما ليس فيهما علامة تستدل بها على موضع المعونة، إلّا أن تريد فأعنتهما جميعا» . ومعنى ذلك أن وضوح الدلالة لا بدّ أن يقارن الحذف، ومعه يجوز. فإذا لم يتعين المحذوف من سياق الكلام لم يجز الحذف. وقد كان الفراء يستطيع ببساطة أن يحلّ المشكلة دون تقدير المحذوف أو تعيينه، ذلك أن المعنى واضح في الآية من السياق. ولو (*) : .. 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت