فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 269

تتبعنا مسلك النحاة، لقلنا إن الضمير في «قال» يعود إلى أقرب اسم وهو «الآخر» .

ويكون المعنى «قال الآخر لأقتلنك» وذلك دون حاجة لتقدير محذوف في الكلام.

ويدخل في أسلوب التجاوز عند الفراء، استخدام الضمائر العاقلة لغير العاقل من الحيوان والجماد، وهي ما أطلقنا عليه ظاهرة «التشخيص» ولا تختلف وقفة الفراء عند هذه الظاهرة عن وقفة أبي عبيدة إلّا في التناول التفصيلي حيث اكتفى أبو عبيدة بالاشارة المجملة. يقول الفراء في قوله تعالى {رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ} «فإن هذه النون والواو إنما تكونان في جمع ذكران الجن والانس وما أشبههم. فيقال: الناس ساجدون، والملائكة ساجدون. فإذا عدوت هذا صار المؤنث والمذكر إلى التأنيث فيقال الكباش قد ذبحن وذبحت ومذبحات. ولا يجوز مذبحون. وإنما جاز في الشمس والقمر والكواكب بالنون والياء لأنهم وصفوا بأفاعيل الآدميين، ألا ترى أن السجود والركوع لا يكونان إلّا من الآدميين فأخرج فعلهم على فعال الآدميين، ومثله {وَقََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا} فكأنهم خاطبوا رجالا إذ كلمتهم وكلموها. وكذلك {يََا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ} فما أتاك موافقا لفعل الآدميين من غيرهم أجريته على هذا» ويمكن لنا أن نستنتج من هذا النص أن المبرر الذي يسمح لنا باستخدام ضمائر العقلاء لغير العقلاء هو التشبيه بين أفعال النوعين، بمعنى أننا إذا اسندنا لغير العاقل فعل العاقل كالكلام للجلود والسجود للكواكب والحديث للنمل، جاز لنا استخدام ضمائر العقلاء.

غير أن اسناد أفعال العقلاء إلى الجماد يعدّ من جانب آخر تجاوزا في الاسناد. وهذا أمر يكشف عنه الفراء حين يتوقف أمام قوله تعالى {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} حيث يقول: «يقال: كيف يريد الجدار أن ينقض؟ وذلك من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط. ومثله قول الله {وَلَمََّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} والغضب لا يسكت إنما يسكت صاحبه وإنما معناه: سكن، وقوله: {فَإِذََا عَزَمَ الْأَمْرُ} وإنما يعزم أهله وقد قال الشاعر:

إن دهرا يلف شملي بحمل ... لزمان يهم بالاحسان

وقال الآخر:

شكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميع فكلانا مبتلى

والجمل لم يشك، وإنما تكلم به على أنه لو نطق لقال ذلك. وكذلك قول عنترة:

فازورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم»

وبهذا التحليل للأسلوب التصويري في القرآن، بما يتممنه من اسناد فعل الانسان إلى الحيوان، وهو تحليل يركّز على زاوية الرؤية النحوية في المجاز، يمكن لنا أن نعلل عدم وجود مصطلح «الاستعارة» عند الفراء. على أن تحليله لبعض الصور الاستعارية لم يخل من احساس بدور التعبير الاستعاري في تجسيد المعنوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت