فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 269

فازورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم»

وبهذا التحليل للأسلوب التصويري في القرآن، بما يتممنه من اسناد فعل الانسان إلى الحيوان، وهو تحليل يركّز على زاوية الرؤية النحوية في المجاز، يمكن لنا أن نعلل عدم وجود مصطلح «الاستعارة» عند الفراء. على أن تحليله لبعض الصور الاستعارية لم يخل من احساس بدور التعبير الاستعاري في تجسيد المعنوي.

يقف أمام قوله تعالى: {وَمِنْ وَرََائِهِمْ بَرْزَخٌ} ليقول «البرزخ من يوم يموت إلى يوم يبعث. وقوله {وَجَعَلَ بَيْنَهُمََا بَرْزَخًا} يقول: حاجزا. والحاجز المسافة البعيدة، وتنوي الأمر المانع، مثل اليمين والعداوة، فصار المانع في المسافة كالمانع في الحوادث، فوقع عليهما البرزخ» وهو شرح يركز على وجه الشبه الذي يسمح باستعمال اللفظ الواحد في معنيين متقاربين، أحدهما حسي والآخر معنوي.

فالحاجز في الأصل هو المسافة البعيدة، وهذا هو المعنى الحسي، ولكن اللفظة قد تستخدم في كل ما يمنع من اللقاء مثل اليمين والعداوة الخ فاستعمال اللفظ في المعنى الثاني ونقله عن المعنى الأول يمكن لعلاقة المشابهة بينهما. وقد لاحظنا من قبل أن اسناد أفعال الآدميين لغير الآدميين وكذلك ضمائرهم لا بدّ أن يقوم على أساس المشابهة. وهذا كله يجعل التشابه هو أساس التجاوز أو الانتقال في الدلالة عند الفراء. ومثال آخر يؤكد هذا المنحى في فكر الفراء نجده في قوله تعالى {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا} حيث يقول «والذنوب في كلام العرب: الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ. وبذلك أتى التفسير: فان للذين ظلموا حظا من العذاب، كما نزل بالذين من قبلهم، وقال الشاعر:

لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب»

وإذا كان التشبيه هو الأصل في التجاوز. سواء في اسناد الأفعال أو الضمائر، فمن الطبيعي أن يتوقف الفراء عند «المثل» التشبيه وقفة تكشف عن طبيعة فهمه له. ومن الطبيعي أيضا أن تكون وقفته في تحليل المثل التشبيه هي وقفة النحوي الذي تستلفت نظره ظواهر نحوية في الأسلوب. يتوقف عند قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نََارًا} والظاهرة التي تستوقفه في هذه الآية أن المشبه جمع بينهما المشبه به مفرد، فكيف يمكن أن يقع التشبيه على ذلك؟ ويدفعه هذا التساؤل إلى تحليل لوجه الشبه «فانما ضرب المثل والله أعلم للفعل لا للاعيان، وإنما هو مثل للنفاق، فقال مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، ولم يقل الذين استوقدوا. وهو كما قال الله {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى ََ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}

وقوله {مََا خَلْقُكُمْ وَلََا بَعْثُكُمْ إِلََّا كَنَفْسٍ وََاحِدَةٍ،} فالمعنى والله أعلم إلّا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ

مُسَنَّدَةٌ وقال {كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ} فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال، فأجز الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحدا في شعر فأجزه. وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه، كقولك ما فعلك إلّا كفعل الحمير، وما أفعالكم إلّا كفعل الذئب، فابن على هذا، ثم تلقى الفعل فتقول: ما فعلك إلّا كالحمير وكالذئب» فالتشبيه بالأعيان لا بدّ فيه من مطابقة المشبه للمشبه به مطابقة نحوية كاملة، أعني من حيث الافراد والتثنية والجمع. ولا تشترط هذه المطابقة النحوية إذا كان التشبيه بالأفعال. ويسمح الفراء بتلقي هذه التشبيهات واجازتها في الشعر حتى مع حذف المشبه الذي هو الفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت