فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 269

ومثال ثان يؤكد ما نذهب اليه، وذلك في تحليله لقوله تعالى {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} حيث يقول: «سقوه حتى غلب عليهم، مجازه، مجاز الاختصار، أشربوا في قلوبهم العجل، حب العجل، وفي القرآن {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ}

مجازها: أهل القرية»

فإذا تركنا الحذف إلى وسائل التعبير التصويرية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة فسنجد أبا عبيدة يلجأ لتبسيط التراكيب الاستعارية والتمثيلية بدلا من أن يحللها ويتذوقها ويكشف عن مناحي الجمال فيها، فقوله سبحانه {كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ الْمَوْتِ} يصبح معناه «ميتة» وقوله {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} يتحول إلى «الزموا المسكنة» وقوله {وَأَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ الْعَدََاوَةَ وَالْبَغْضََاءَ} يصير «جعلنا» . أمّا أخذ الله للأسماع والأبصار في الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللََّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصََارَكُمْ}

«فمجازه إن أصمّ الله أسماعكم وأعمى أبصاركم» . وقوله تعالى {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكََاذِبُونَ} معناه «قالوا: إنكم لكاذبون. وتصبح الهبة الالهية {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} «مجازه جعلت محبة مني في صدور الناس» . و {تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ}

مجازه تقبلونه ويأخذه بعضكم عن بعض». وكذلك قوله {وَأَلْقى ََ فِي الْأَرْضِ رَوََاسِيَ} «مجازه وجعل فيها رواسي أي جبالا قد رست أي ثبتت» وقوله تعالى {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلََّامُ الْغُيُوبِ} تصير «يأتي بالحق» .

وفي هذه الآيات كلها يبدو التركيب القرآني في شرح أبي عبيدة كما لو كان فيه اطالة تحتاج للحذف والاختصار. وبذلك يتعادل التركيب المعقد والتركيب البسيط ليعبرا عن معنى واحد في النهاية. ومعنى ذلك كله أن أبا عبيدة أدرك أن في هذه التعبيرات جميعا شيئا غير عادي، شيئا يحتاج للتوضيح كما احتاج التشبيه برءوس الشياطين إلى الشرح والتوضيح. وهو وإن كان لم يبيّن الفارق الدقيق بين مستويي التعبير المجازي والتعبير الحقيقي، فإن مجرد توقفه أمام هذه النماذج ووضعه اياها تحت المجاز يعدّ نقلة كبيرة في انضاج مفهوم المجاز وتطويره.

ومن انجازات أبي عبيدة أنه يلتفت إلى ما يمكن أن نطلق عليه أسلوب «التشخيص» في القرآن، وهو اطلاق صفات انسانية على الحيوان والجماد. غير أن ما يلفت نظر أبي عبيدة إلى هذا الأسلوب هو استخدام ضمائر العاقل بدلا من ضمائر غير العاقل. والأمثلة التي يتوقف أمامها هي قوله تعالى {قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ} يقول: «هذا من الحيوان الذي خرج مخرج الآدميين.

والعرب قد تفعل ذلك. قال:

شربت إذا ما الديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا»

ويقول في قوله تعالى {قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ} «هذا مجاز الموات الذي يشبه تقدير فعله بفعل الآدميين» وهي نفس النظرة التي ينظر بها إلى الآيات وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ

يَسْبَحُونَ و {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت