فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 269

فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل، وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه، فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» . وهذا الذي يحكيه أبو عبيدة يلفتنا إلى أمرين: الأمر الأول أن التساؤل يصدر عن كاتب للفضل بن ربيع، وهو في الغالب من الفرس المتعربين الذين لا يدركون أسرار التركيب العربي، وإن عرفوا مفرداته وأساليبه الشائعة. ومثل هذا يتوقف أمام التركيب اللغوي الذي لا يتفق

والقواعد التي درس على أساسها اللغة، وقد يدفعه ذلك إلى رفض التركيب واتهامه بالخطإ. وغني عن البيان أن أي قاعدة نحوية أو لغوية تضيق دائما عن امكانيات الواقع الحي للغة وثرائه، ويظل من يتعلم اللغة ولفترة طويلة جدا في حدود القواعد والحدود، دون أن يتجاوز ذلك إلى رحابة الأساليب الفنية للغة، تلك الأساليب التي تخضع القواعد لها دون أن تخضع هي للقواعد. والأمر الثاني الذي يلفتنا إليه كلام أبي عبيدة أنه يردّ المثال القرآني الذي سئل عنه إلى طريقة العرب التي نزل القرآن عليها. ومنهجه في الكتاب كله يقوم على ذلك، بمعنى أنه يحاول شرح التركيب، ثم يستشهد على صحته بأبيات من الشعر أو العبارات القرآنية.

ويعدّ هذا المسلك من جانب أبي عبيدة استمرارا للتقليد الذي رفع شعاره ابن عباس «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب» .

ومعنى هذا كله أن مصطلح «المجاز» عند أبي عبيدة، وإن ظلّ شديد الالتصاق بمعناه اللغوي، فإنه كان يديره «على أمر في نفسه، وأنه التزم فكرة بعينها كانت تشغل ذهنه، فلم تكن هذه الكلمة تعبر عن مدلول كلمة تفسير، أو كلمة معنى بصفة مطلقة، وإن كان هذا لا ينفي اطلاقها أحيانا في ذلك المعنى» .

والحذف وهو ظاهرة أسلوبية يعدّ من المجاز عند أبي عبيدة. ويشترط في الحذف، أو في المحذوف أن يكون مما يمكن أن يعلمه المخاطب. وفي تعليقه على قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} يقول: «العرب تختصر لعلم المخاطب بما أريد به فكأنه خرج مخرج قولك: فأمّا الذين اسودت وجههم فيقال لهم أكفرتم، فحذف هذا واختصر في الكلام» ويستشهد على ذلك بما قال الأسدي:

كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بنى شاب قرناها تصر وتحلب

ويقول: «أراد بنى التي شاب قرناها، وقال النابغة الذبياني:

كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن

يقول: كأنك جمل يقعقع خلف الجمل بشن، ففهم عنه ما أراد» ومن الواضح أن وظيفة الحذف هي الاختصار، وشرطه أن لا يخلّ الحذف بوضوح المعنى.

ومثال ثان يؤكد ما نذهب اليه، وذلك في تحليله لقوله تعالى {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} حيث يقول: «سقوه حتى غلب عليهم، مجازه، مجاز الاختصار، أشربوا في قلوبهم العجل، حب العجل، وفي القرآن {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ}

مجازها: أهل القرية»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت