فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 269

ولا شك أن طبيعة ثقافة كل من أبي عبيدة والفراء قد أثّرت بشكل أو بآخر على زاوية رؤية كل منهما للتركيب القرآني، وعلى طريقة تحليلهما لهذا التركيب وتذوقهما له. والدوافع التي دفعت كلا منهما لتأليف كتابه تكشف من جانب آخر عن وجود مجموعة من العوامل الخارجية أهمها استغلاق النص القرآني على أفهام كثيرين من رجال الدولة ذوي الأصول الأعجمية في غالب الأحيان، هذا إلى جانب أخطائهم في نطق القرآن أو اللحن فيه. وكان من أثر ذلك كله أن تطورت مهمة

المفسّر قليلا عن ذي قبل، فصار عليه أن يتناول النص القرآني من زاوية التركيب كما يتناوله من زاوية شرح الغامض من ألفاظه. وعلاوة على ذلك كان عليه أن يتناول الجانب الاعرابي. وبمعنى آخر كان على هؤلاء المفسرين أن يخوضوا في مباحث بلاغية وأسلوبية أكثر اتساعا مما تعرّض له المفسرون السابقون، بحكم هذه المهمة التي كانت تواجههم.

وإذا كانت الدراسات الأسلوبية المعاصرة لا تفصل بين اللغة والبلاغة، وتدخل في صميم عملها جنبا إلى جنب دراسة «موقع اللفظ، والتكرار، والوسائل الايقاعية والموسيقية، والاستعارة والرمز والصورة» فكذلك كان الأمر في تراثنا القديم، حيث كانت الدراسة البلاغية متداخلة مع الدراسة اللغوية في كتب النحاة الأوائل أمثال «سيبويه» حتى اعتبره بعض الباحثين «واضع علمي المعاني والبيان» واعتبر أن أبا عبيدة في كتابه «مجاز القرآن» لم يفعل أكثر من أنه سلك مسلك سابقيه من اللغويين من ربط النحو بالأساليب والتراكيب، على عكس ما فعل المتأخرون حيث قصروه على أنه «علم يعرف به أحوال أواخر الكلم اعرابا وبناء» «والنحو بالمعنى الذي عناه المتقدمون هو الذي عنى مثله أبو عبيدة معمر بن المثنى بالمجاز عند ما سمّى كتابه «المجاز في القرآن» وهو طريق العرب في التعبير عن مقاصدهم وأغراضهم وبيان ما قد يطرأ على الجملة العربية من تقديم أو تأخير أو حذف إلى نحو ذلك» ومعنى ذلك أن مفهوم المجاز عند أبي عبيدة يتسع ليشمل كل ما يندرج تحت دراسة الأساليب. ومما يؤكد هذا المفهوم عند أبي عبيدة ما يحكيه هو نفسه عن سبب تأليف كتابه من أن كاتبا للفضل بن ربيع سأله عن قوله تعالى {طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيََاطِينِ} وقال: إنما يقع الوعد والايعاد بما عرف مثله وهذا لم يعرف، فقال له أبو عبيدة: «إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال

وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لمّا كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به.

فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل، وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه، فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» . وهذا الذي يحكيه أبو عبيدة يلفتنا إلى أمرين: الأمر الأول أن التساؤل يصدر عن كاتب للفضل بن ربيع، وهو في الغالب من الفرس المتعربين الذين لا يدركون أسرار التركيب العربي، وإن عرفوا مفرداته وأساليبه الشائعة. ومثل هذا يتوقف أمام التركيب اللغوي الذي لا يتفق

والقواعد التي درس على أساسها اللغة، وقد يدفعه ذلك إلى رفض التركيب واتهامه بالخطإ. وغني عن البيان أن أي قاعدة نحوية أو لغوية تضيق دائما عن امكانيات الواقع الحي للغة وثرائه، ويظل من يتعلم اللغة ولفترة طويلة جدا في حدود القواعد والحدود، دون أن يتجاوز ذلك إلى رحابة الأساليب الفنية للغة، تلك الأساليب التي تخضع القواعد لها دون أن تخضع هي للقواعد. والأمر الثاني الذي يلفتنا إليه كلام أبي عبيدة أنه يردّ المثال القرآني الذي سئل عنه إلى طريقة العرب التي نزل القرآن عليها. ومنهجه في الكتاب كله يقوم على ذلك، بمعنى أنه يحاول شرح التركيب، ثم يستشهد على صحته بأبيات من الشعر أو العبارات القرآنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت