فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 269

ويبدو الخلاف هنا خلافا شكليا، خصوصا والمعتزلة أيضا يعتبرون الكلام دلالة على ما في النفس ولا ينكرون ذلك، وإن كانوا يفرّقون بينهما ولا يوحّدون كما فعل الباقلاني «فلو كان الكلام معنى في النفس لم يصح أن يقال في العبارة أنها تدلّ عليه، لأن لا نسبة بينها وبينه ولا تعلق» ولكن ارتباط القمية برمتها بقضية التوحيد هو الذي جعل المعتزلة ينفرون من اعتبار الكلام هو المعاني القائمة في النفس، لأن المعاني عندهم هي الصفات، وهم لا يثبتون لله صفة مغايرة لذاته كما يفعل الأشاعرة. ولعل هذا يفسّر لنا استخدام القاضي لمصطلح «القصد» الذي اعتبره إلى جانب المواضعة شرطا لاعتبار الكلام دلالة، وسنتعرّض

لدلالة هذا المصطلح عمّا قريب.

وحّد الباقلاني كما لاحظنا بين دلالة الصوت والكتابة والاشارة والرمز.

ويقارن القاضي عبد الجبار من جانب المواضعة بين الكلام من جانب، وبين الإشارات والمعجزات من جانب آخر. ومقارنته بين الكلام والاشارات ينتهي منها إلى أن الإشارة يمكن أن تحلّ محلّ الأصوات إذا سبقت عليها مواضعة، غير أن الأصوات تعبّر بشكل أوسع عمّا لا تستطيع الإشارة التعبير عنه بحكم تعدد الأصوات وكثرتها. وينتهي من مقارنته بين الكلام والمعجزات إلى أن المعجزة أشدّ دلالة على ما تدلّ عليه من الكلام، لأن الكلام قد يقع فيه الاشتراك والمجاز والاستعارة. وكلتا المقارنتين ضرورية لفهم طبيعة المواضعة من جانب، ولفهم خصوصية الدلالة الكلامية من جانب آخر. وهي خصوصية لم يتعرّض لها الأشاعرة تفصيلا لتوحيدهم بين أنواع الدلالات الوضعية من جهة، ولقولهم بالتوقيف في المواضعة من جهة أخرى.

والمقارنة التي يعقدها القاضي بين الاشارة والكلام توحّد بينهما بشرط وجود المواضعة «ولذلك نجد أحدنا يستدعي من غلامه سقي الماء بالإشارة، على حد ما يستدعيه بالعبارة، لعادة تقدّمت، يعرف بها أن الاشارة تحلّ محل العبارة التي تقدّمت معرفة فائدتها» .

وكما تدلّ الإشارة إذا تقدّمت عليها مواضعة، تدلّ المعجزة كدلالة الكلام، إذا وقعت بعد ادّعاء النبي أنه نبي، وأن علامة صدقه أن تنقلب العصا حية. فإذا انقلبت العصا حية كان هذا الفعل دلالة على صدق النبي، وذلك للاتفاق السابق بينه وبين من يتحدث إليه. فإذا انتفى شرط الاتفاق السابق بين النبي وقومه لم يكن لانقلاب العصا أي دلالة. ومعنى ذلك أن المعجزة لا تدلّ على صدق النبي إلّا باتفاق سابق أو مواضعة سابقة على دلالتها «وعلى هذا الوجه تنزل المعجزات منزلة التصديق بالقول فنقول: إذا صحّ لو صدقه تعالى، عند ادّعائه النبوة والرسالة كونه نبيا، فكذلك إذا فعل ما يحلّ هذا المحل من المعجزات، لأن مجموع قوله: اللهم إن كنت صادقا فيما ادّعيت من الرسالة فاقلب العصا حية، ثم وقوع ما سأل عنه مطابقا لمسألته بمنزلة المواضعة المتقدمة على التصديق، بل ذلك أقوى في بابه، لأن من حق التصديق بالقول أن يقع فيه، والحال هذه، المجاز والاستعارة لأمر يرجع إلى ذات الكلام، وصحة هذه الطريقة فيه. ولا يتأتى ذلك في الفعل المخصوص إذا التمسه الرسول من المرسل للمرسل اليه» فالمعجزة شأنها شأن الكلام إذا وقعت تصديقا لادّعاء النبي. بل يذهب القاضي إلى أنها أشدّ

دلالة، وأقوى في بابه، لأنها لا تحتمل المجاز ولا الاستعارة الذي يحتمله الكلام لأمر يرجع إلى طبيعته الخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت