فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 269

وينقسم القسم الأول من صفات المدح إلى: ما يتمدح باثباته، وما يتمدح بنفيه.

وما يتمدح باثباته من الصفات الراجعة إلى الفعل ينقسم بدوره إلى قسمين:

أحدهما يقتضى نفيه نقصا، مثل التمدّح بفعل الواجب والتمكين وازاحة العلل واثابة المطيع، وثانيهما ما لا يقتضى نفيه نقصا مثل فعل الاحسان والتفضل. وأمّا ما يتمدح بنفيه من صفات الفعل فعلى قسمين أيضا: أحدهما يوجب اثباته النقص كنفي الظلم، وثانيهما ما لا يقتضي اثباته نقصا مثل أن يمتدح بألّا يعاقب الكافر ولو عاقبه لم يقتض ذلك نقصا فيه.

أمّا القسم الثاني، وهو التمدح بالأمر الذي يرجع إلى صفات الذات، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولهما التمدح بما هو اثبات في الحقيقة، ونفي ذلك يوجب النقص، وذلك كمدحه بأنه قديم. وثانيهما التمدح بما يجري مجرى الاثبات مثل وصفنا له بأنه عالم وقادر وحي، ونفي ذلك يوجب النقص. وثالثهما التمدح بما يجري مجرى النفي مثل نفي الرؤية والنوم، واثبات ذلك يوجب النقص. .

وإلى هذا النوع الثالث من القسم الثاني ينتمي ما تمدح الله به نفسه من نفي الرؤية عن ذاته، ومن ثم فإن اثبات الرؤية له تقتضي نقصا ينبغي نفيه عن الله جل وعز. والدليل السمعي الذي يورده المعتزلة على خصومهم في هذا الصدد هو قوله تعالى {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}

(الانعام / 103) . ولكي يؤكد المعتزلة أن هذه الآية وردت مورد التمدح يلجئون إلى السياق الذي وردت فيه الآية «لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وكذلك ما قبلها وما بعدها، لأن جميعه في مدائح الله تعالى، وغير جائز من الحكيم أن يأتي بجملة مشتملة على المدح ثم يخلطها بما ليس بمدح البتة، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحدنا: فلان ورع تقي نفي الجيب مرضي الطريقة أسود يأكل الخبز يصلي بالليل ويصوم بالنهار، لما لم يكن لكونه أسود يأكل الخبز تأثير في المدح. يبين ذلك، أنه تعالى لما بيّن تميزه عمّا عداه من الأجناس بنفي الصاحبة والولد بيّن أنه يتميز عن غيره من الذوات بأنه لا يرى ويرى» .

وفكرة المدح لا تنفصل عند المعتزلة عن فكرة التوحيد والتنزيه ونفي مشابهة الله للبشر والأجساد، بل هما فكرتان مرتبطتان غير منفصلتين «فإن قيل: وأي مدح في أنه لا يرى القديم تعالى وقد شاركه فيه المعدومات وكثير من الموجودات؟ قلنا:

لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى، وإنما يقع التمدح بكونه رائيا ولا يرى، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم بانضمام شيء آخر اليه يصير مدحا، وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا ثم إذا انضم إليه كونه حيّا لا آفة به صار

مدحا. وهكذا فلا مدح في أنه لا أول له، فإن المعدومات تشاركه في ذلك، ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه، وهو كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موجودا، كذلك في مسألتنا. وحاصل هذه الجملة، أن التمدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات، والبينونة لا تقع إلّا بما نقوله، لأن الذوات على أقسام، منها ما يرى ويرى كالواحد منا، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالمعدومات، ومنها ما يرى ولا يرى كالجماد، ومنها ما لا يرى ويرى كالقديم سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت